مزيج : 2019

تجربة في موقف !

لا أحب تصنيف التجارب، ولا الحكم عليها، لأن كل ما أعرفه خلال نفسي هو أن التجربة ماهي إلا حكاية خاصة جداً، تخصك وحدك، بمعنى أني لا أصدق بيقين تام أن التجارب هي تلك فقط التي تنحاز للمخاطرة بتسلق جبل ما، أو النوم في الصحراء .. التجربة بالنسبة لي، هي تلك التي تحرك فيّ شيئًا، تثريني وتنمي تحت جلدي شيئًا يخصني، فأتحول في هذا الجزء والتفصيل الصغير من كائن تنظيري لكائن تجريبي وأفهم المسألة ليس بعقلي المجرد، إنما بروحي وكياني كاملاً، وهنا أنا لا أبالغ، ربما أكون حساسة تجاه الكثير من الأشياء بشكل مبالغ، لكن هذا أمر حقيقي فعلاً، حتى في أتفه الأمور، فمثلاً لطالما كان المشي، المشي الطويل جدًا والإصغاء لكل شيء أمر به من خلال عيني، وقلبي، وروحي، وأذنيّ، ويدي، وأفكاري التي تتكاثر وتتبلور، هي تجربة. ربما ستسخر مني وأنا أتحدث بهذه اللهجة التي تبسط المعنى. لكن هذا شيء تلمسته خلال هذه الفترة من حياتي .. أمشي مسافات شاسعة باستمرار، ولا أعتبر هذا المشي، هو الانتقال من نقطة لأخرى، بل هو عملية للتأمل، وللمراقبة، والانتباه، وربما حسب ماشعرت فقد تلمست شيئًا شبيهًا لما أتحدث عنه. ذات مرة قطعت أكثر من  20 كيلو متر في نواحي اسطنبول خلال نهار واحد، صافح قلبي خلالها أزقتها الصغيرة، تلفّتُ لما كتب على جدرانها القديمة، تركت لعيني بأن تعبر عيون المارة وتلحظ أرواحهم. وأنا أمشي، قررت بشكل مفاجئ الدخول ل أحد المحلات للبحث عن أسوارة لابنة أختي، قلبت كل القطع قطعة قطعة، كنت أحاول أن أجد شيئًا يشبهها تمامًا، شيء يبهجها عميقًا، خلال انشغالي بالبحث عن هذه القطعة الفريدة ، حدثني صاحب المحل قائلاً: تبدين من اندونيسيا ، فلك ملامح تشبههم. التفت إليه وقد ظهرت على وجهي علامة تعجب كبيرة وصمت غريب، ربما لأني لم أظن يومًا بأن أحد غريب، في شوارع مدينة غريبة، يلمح هذا الدم القديم في وجهي، أظن بأني تلفتُ حولي لأتأكد أن الحديث موجه لي، بحثت في أرجاء محله الصغير عن مرآة لأنظر لنفسي، وكأني أريد أن أتأكد بأن ملامحي تلك قد انحفرت أكثر مع الزمن، لكني اختصرت الأمر وهززت رأسي موافقة على كلامه، لكن عيناي ظلتا تتسع من المفاجأة، نظرت فيه، ابتسمت، وشكرته وخرجت، فأنا لا أطيل الأحاديث مع أحد أبدًا، أطويها واختصرها قدر الإمكان، وهذا دعونا نقول بأنه ليس بالأمر الجيد، لكن اعتدته مع الوقت، وربما أدمنته، وقد صار يميزني عند البعض، ويبغضه آخرون، على أي حال، أكملت طريقي الطويل بعدها دون وجهة محددة، وخلال عبوري أحد الشوارع، استوقفتني بائعة أزهار متجولة تقف على الرصيف المقابل، نظرت إليّ مبتسمة، و حال ما حطت قدمي على الرصيف الذي تقف فيه مدت لي يدها بمجموعة من الأزهار، طلبت مني بلغتها البسيطة بأن اشتريها، حاولت أن أجد عذراً مقنعًا بأني لا أحتاج أن أقطع المدينة خلال عودتي وأنا أحمل أزهارا في يدي، إلا أنها في أثناء ذلك، باغتتني بسؤالها: من أين أنتِ؟ ولا أخفي عنكم أن هذا السؤال كان قبل تلك اللحظة مزعج بشكل ما، مؤذي أحيانًا، وعنصري دائمًا، ابتسمت لها ابتسامة لا أعرف كهنها لكنها الأنسب في حين أني لا أحبذ أن أجيب عن هذا السؤال إلا في مواطن محدودة ورسمية. تركت لها التخمين الذي يعجبها، و في اللحظة التي حدثت نفسي فيها، بأن أدفع حق الأزهار، وأعيد إهدائها إليها، ادهشتني قائلة: سودانية، أو ربما صومالية؟! فابتسمت ابتسامة تكاد تشق وجهي من اتساعها، ولا أخفيكم أنه أعجبني هذا التصنيف غير المحدود لملامحي -فقد كنت قبل ساعة من ذلك اندونيسية- ولطريقتي، فاكتشفت أن دمي كثيف وأنا كثيرة وأشبه كل أحد ممكن .. ثم أن جغرافية قلبي – كما تبدو هنا- هي أوسع من أن تقتصر على جنسية واحدة أو عرق واحد كما ولّفتها منذ زمن بعيد.. عندها شعرت بأني اكتسبت موقفًا تحول داخلي إلى تجربة أصنفها بأنها روحية، لأنها ظلت ترافق ذاكرتي في كل مرة أتعرض بشكل اجباري لهذا السؤال من عابر فابتسم بقلبي ممتنة لخليط ملامحي ودمي وسمرتي قبل كل شيء.

محاولة استقلال، ربما

أعتدت منذ سنوات على السفر إلى اسطنبول لعدة أشهر، وغالبًا ما كانت بصحبة أهلي إلا القليل، أما هذه السنة، فقد كانت مختلفة كل الاختلاف، لقد عشت غالبيتها دونهم، بدأت الرحلة تقريبًا نهاية فبراير، لم تكن خطة سلسة على أي حال، لكنها بُنيت بشكل منطقي جدًا، وظروف كثيرة ساعدت ليحدث ما حدث، هي بشكل أو بآخر قرار كنت قد اتخذته من قرارة نفسي، فنحن في فترة ما نحتاج لأن نكون على مسافة من كل من نعرفهم طوال حياتنا، نحاول في هذه المرحلة أن نستكشف أنفسنا وكل روابطنا الظاهرة والخفية تجاه تصرفاتنا ومانحب ومانكره في الحياة..

قضيت 300 يوم تقريبًا بصحبة نفسي، ومن الصعب أن أحكي عن المقدرة للوصول إلى صحبة النفس لأن حديثها طويل، ولا يبدو لي أني سأتحدث هنا عن كل شي مررت فيه، فأنت حين تمضي إلى نفسك، لن يكون طريقك أخضر، وهذا تحديدًا ما لن أفصح عنه، أو أحكيه إلّا حين أكون قادرة تمامًا لخوض هذا الحديث المطوّل. لنعود لصحبة النفس، فقد غادرت موطن طفولتي، من أحبهم، حاولت فصل شعوري وروابطي بجميع الناس، رأيت كل مساوئي جلية أمامي، بصعوبة خلعت عني ماليس مني، لأجردني من كل ما ألقته الأيام على كاهلي، من تلك الأوجاع التي لم أوافق لأن تنزرع تحت جلدي، كان لازمًا علي فعل ذلك لأرى تفاصيل روحي وأتعامل مع شؤوني الداخلية بشيء من الصدق  والتجرد.. 
غادرت كل أحد وحاولت أن أجدني في هذا الطريق الطويل .. وتأكدت إننا في الحقيقة لن نعرف أنفسنا بشكل كامل مطلقًا، والإيمان بذلك في رأيي مطمئن لحد ما، للحد الذي يجعلنا لا نتفاجأ بأنفسنا بشكل جارح حين يظهر لنا ماخفيّ عنا منا ذات يوم، نحن في النهاية نتغير باستمرار.. واستمرارية هذا التغير دعنا نقول بأنها، تنجينا .. واخترت النجاة كمحاولة مني لأن أهدئ من هلعي أمام نفسي.. وأنا أكتب، صدقوني، يأتيني صوت بعيد، من خلف رأسي ليسألني: متأكدة؟ هل أنت تتغيرين؟ حقيقة لا أعرف، لكن المواقف ستهدينا الجواب، فنحن تغذينا الظروف، ويتسرب إلينا ما نحاول دائمًا الهروب منه، ويلتصق بنا ما نظن أننا قاومناه، وتجاوزناه ، لكنه يظل يظهر كالظل عند انتصاف شمسنا، ونهارنا، فننكسر ونتأوه .. ولا نعود نعرف التعامل بالشكل المناسب، ولهذا دعنا نسمي التغير المستمر ب عملية “الوعي”، والوعي هنا، يكون بمحاولتنا المستمرة في معرفة لماذا، تصرفنا بهذا الشكل؟ فتبدأ الرحلة، ويبدأ البحث عن أصل الفعل، وتداعياته علينا، وعلى مواقفنا، وعلى الأشياء والأشخاص الذين تورطوا معنا في ذلك الموقف! في الحقيقة، نحن نتنازع بين عقلنا الباطن، وبين مانحاول إصلاحه باستمرار، والخطأ من الجميع وارد، لكن الاعتذار عن الخطأ، وتحمل مسؤولية الخطأ والاعتراف به، هو الفارق بين الناس، وأظن بأني شخص يحاول دائمًا أن يحمل أوزاره على كتفيه، ويعتذر ويأسف عن أفعال لم يتقصدها، فلنحاول بأن لا نجعل وعينا يكون علينا وضدنا ، بل يكن معنا وإلى جانبنا .. وهذا ما أرجوه من نفسي، لنفسي ..
هناك تجارب، ليست من جنس “الصح أو الخطا” إنما هي تجارب، وتجارب فقط، هي التي تجعلنا نفهم النجاح والفشل، تعلمنا التمسك والتخلي، وتشرح لنا أسباب البقاء أو الهروب، تصيغ الحب في قلوبنا وتشكّله، تربكنا بفكرة المسافات والتواجد والحضور والتلاشي .. من خلال قراءتنا لها، قد ننقذ أنفسنا أوقد نهوي، لكنها دليلنا في ليالينا حالكة السواد .. دليلنا، لأيام أكثر تسامحًا مع أنفسنا على الأقل، وأكثر هدوءً ..

أصدقائي في العزلة، كتبي، والغروب، والبحر

أعيش في جنوب غرب إسطنبول، وأعتبر أن هذا الجزء من اسطنبول يشبه الهدوء النسبي، على الرغم من أن المنطقة مكتظة بطبيعة حال أي مدينة ضخمة، إلا أن وجهتي لساحل بحر مرمرة وجلوسي على الرصيف، ومراقبة الصيادين إلى ان يحين الغروب، وتأمل مساحات البحر الشاسعة، واستقبال أمواجه، وهواءه كان قد شكل بيني وبين المكان علاقة مترابطة ووديعة، فصار مناسبًا لمراقبة الشمس بشكل يومي .. وأحاديث داخلية طويلة وذكريات كثيرة، واشتياق لا يبرح قلبي وروحي، تنتهي جميعها بموجة كأنها تلقي بنفسها على قلبي فأشعر بها كتربيتة حنونة من الكون.. إنني في حالة من الجوع لمرحلة سكون عميقة، على الرغم من متطلبات الحياة السريعة ورغبة الإنجاز المجنونة، وتحقيق كل شيء في وقت قياسي، كنت أرغب بشدة أن أكف عن السرعة بكل أشكالها، كنت أجبر نفسي على البطء، وأتعلم كيف ألتقط أنفاسي، وأخرج كل مايفسد روحي مع كل موجة تقترب مني .. ولقد علمني البحر بأنه  لطالما تأخذ أمواجه السفن والقوارب وحتى رسائلنا وأصواتنا من موجة لأخرى وترتحل .. وكنت أتعامل بذات الطريقة، فأحمّلها كل أسراري وأرجوها بأن تقف على شاطئ يأبه التقاط سرّي لمن يكترث .. 
لست من النوع الذي يجلب معه كرسيا ليجلس أمام البحر، أنا أجلس على الرصيف، أقرأ كتبي وأُنزل قدمي على وجه البحر واستقبل الهواء كصديق عزيز، ما أن يلامس وجهي وجسدي حتى أشعر بشي من الراحة .. فأقرأ له بصوت عال جملة او اثنتين .. فأتخيل بأني أواسيه بعد أن دس أحدهم فيه دمعه قبل مروره أمامي .. لطالما تساءلت عن الشمس والسحب والبحر وتفاصيل السماء خلال تأملاتي.. تساءلت عن هذه العناصر التي تجعل من الغروب اليومي تجربة متفردة كل مرة، عن الألوان التي تتكاثف طبقاتها وفقا لدرجات الحرارة والبرودة كما أظن، فالسماء تكون أجمل ماتكون وهي تودع الشمس والضياء لتستقبل القمر والعتمة .. إنها تعلمنا أدب الغياب، أدب الوداع ربما ..

اسطنبولية أكثر مما كنت أتخيل ..

كنت أظن بأن حياة المدن لا تناسبني، ولهذا كرهت جدة طوال عمري، وحلمت دائما بمنزل ريفي في قمة جبل في منطقة جميلة وساكنة ، حتى اللحظة التي عشت فيها في إسطنبول المدينة الضخمة، مترامية الأطراف، لأكتشف أن الأمر ليس كما أظن، فأنا أجد إسطنبول بكل مساوئها أحب إليّ من جدة.. ثم عرفت بشكل أكثر وضوحا بأن ما أكرهه في جدة بشكل خاصة هو رتم الحياة وطبيعتها (وهنا يطول الكلام لكن لن أتحدث عنه الآن، ربما في وقت لاحق) أما في اسطنبول فلايعوقني شيء، اعتدت على المشي السهل في الحي، واستخدام المواصلات العامة. أخرج من باب البيت فأمشي دقيقتين لأصل لمحطة الباص الأولى، يأخذ مني الطريق قرابة ٢٠ دقيقة لأصل بعدها لمحطة الباص الذي يمر كشريان على امتداد الجزء الجنوبي ثم يتجه للوسط ويتعدى الجهة الاوروبية للاسيوية في غضون ساعتين على الأكثر وأكون بذلك قد وصلت لآخر محطة على هذا الخط.. وهذا الأمر يريحني لأنه لا يقيد حركتي مهما أخذ من وقتي.. ففالنهاية غالبا ما أستغل تلك الأوقات في القراءة، وتأمل الطريق والناس، وهنا سأتوقف قليلا وأتحدث عن شيء غريب حصل معي، فطوال حياتي كنت كثيراً ما أتمزق من شعور الغربة على الرغم من أني أعيش وسط أشخاص لايختلفون عني بشكل جذري على الأقل درسنا في نفس المدارس، تعلمنا بشكل متشابه، نتحدث نفس اللغة، ولطالما  استنكرت ذلك الشعور، بل كان شعور الغرابة يصيبني بمرارة عجيبة، بخلاف هذه الأيام في اسطنبول، فأنا متكيفة تماما وأنا أستقل عربة الباص دون اكتراث لأي أحاديث جانبية، أو حتى لما لا أفهمه من كلام، ربما الأمر له علاقة بالمقارنة وأنا لا أجد شيئا أقارن به نفسي مع كل هذا الجمع الغفير من الناس، فنحن نختلف كثيرًا، رغم التشابه، فربما الغربة الحقيقة التي لطالما شعرت بها، هي غربة اجتماعية. وهنا منفصلة عن المجتمع، لأن مجتمعي هو أنا، وعملي، وقلبي، وأفكاري، وكل ما أحاول القبض عليه ليقربني إليّ، فقد اخترت وحدتي فوق كل شيء، وهذا يؤكد على أن متطلبات الحياة الاجتماعية في جدة لاتناسبني وكلما خالطت وانغرست في المجتمع الذي يقدم لي قائمة من الطلبات لألتزم بها، يجعلني أصطدم بدواخلي أكثر فأنزع لا إراديا لإحساس الغربة ..
اسطنبول منحتني سهولة استقبال صديقاتي بأريحية، والتجول المفتوح، نلتقي عند نقطة، ثم ننطلع ونجوبها طولاً وعرضًا، والأمر الذي يستدعي التأمل هو كيف أني أعرف اسطنبول وأزقتها ودكاكينها، وشوارعها -رغم أني لم أسكنها إلا منذ سنتين تقريبًا – أكثر بكثير مما أعرف جدة، المدينة التي سكنتها 30 عامًا ! أظن لو تسألوا بحر مرمرة عني لنطق وأجاب، لكثرة ما كان رفيق أيامي .. لنعد لصديقاتي، ممتنة كل الإمتنان لدلال، وأسماء، ونوال، فقد عبروا بالمدينة، لكنهم أقاموا في قلبي أبدًا ..

عن الحب ..

ربما سيكون هذا الجزء الأصعب الذي سأكتبه خلال هذه التدوينة، فنحن نحلم طوال حياتنا بأن نحب، وأن نكون محبوبين، ولطالما عشت في أمل البلوغ للحظة حب عظيمة، وأحسب أني عشتها، وسأظل ممتنة لها طوال حياتي، إنها تلك اللحظة التي تحس خلالها أن الحياة للمرة الأولى تهديك المعنى منها واضحًا جليّا، ثم حين تضطر إلا الرحيل عنها، تشعرك بأن حياتك من بعدها فراغ هائل، لا تعود الدنيا هي الدنيا، تشعر بالبرد لأنك تعرف الآن يقينا أنك عشت طوال حياتك وحيدًا ، بينما الآن فقط ستمشيها وحدك. وها أنا أمشي هذه الأيام وحدي بعدما عرفت تجليات الأنس، والسعادة الفريدة. وأقول سعادة فريدة لأنها كذلك فعلاً، ربما ستصادف السعادة في وقت آخر لاحقًا، لكنها لن تكون بذات الشبه، ولا بذات العمق، ولا بذات التفاصيل، ستستقبلها، وأنت تعرف أن دمك أصبح مطعمًا بحزن نبيل، ذاك النوع من الحزن الذي تود للأبد أن يلازمك، لأنه القطعة الأخيرة من حبك العظيم .. أنه ألم الرحيل والفراق بعد الوصل والذهول .. لأنك ستكون  قد عرفت للمرة الأولى أنه لن يعوضك شيء بعد الآن .. وسترضى أن تبقي على هذا الألم كوجود نهائي لأصل ذاك الحب.. وتحفظ الذكريات كأثمن شيء يملكه وجدانك .. وتمضي حاملاً هذه الزوادة في أيامك القادمة .. وسيبقى الحب وإن انتهى الدرب ..

أمنيات تحقق نفسها في غير وقتها ..

كنت أجمع في دواخلي أمنيات كثيرة، بعضها نسيتها ، وبعضها اختلفت في عيني، وبعضها ظلت لها قدسيتها لأنها إن حدثت فستكون لحظة تحول لي في حياتي، وهي كذلك حقًا، لكنها حدثت في أشد أوقاتي حرجًا على صعيدي النفسي، ففقد كان لدّي اكتفاء من الحياة، ولست في مزاج يجعلني أعيش تفاصيل الأمنيات كما تخيلتها طوال حياتي، حققتها لأنها الفرصة التي لا أعرف متى ستعود وتتكرر، ولأني لم أنسى أنها كانت ضمن قائمة طويلة لم أعد اكترث لها بقدر ماكنت أفعل سابقًا، لكن لأجل أن تكون سويًا ومنصفًا لنفسك، ستحاول، وتجرب، و تصدق أنك فعلتها حتى دون تخطيط مسبق .. ستأخذها على احتمال أن الحياة لازالت تملك الرحابة والقدرة على إدهاشك من جديد، فتحاول بهذا الاحتمال أن تلتقط ماتحاول الأيام أن تضعه في طريقك علّها تكون مكافأة لك على صعوبات الحياة التي احتملتها طوالك عمرك .. أتذكر جيدًا، كيف دفعت تذاكر حفل ديفيد قارت دون أن أفكر مرتين، وأتذكر كيف اشتريت أول تذكرة لسفري وحدي، وأتذكر المرة الأولى التي انطلقت فيها وأنا أمسك بمقود السيارة، والمرة الأولى التي سكنت فيها ليومين في بيت أحدى صديقاتي، وأعرف جيدًا اليوم معنى أن يهاجر الإنسان أماكنه، وما أعتاد عليه، ومايحبه ومن يحبهم لأجل أن يجد نفسه أو يقترب منها ويفهمها على الأقل.. ويالها من حكاية طويلة هنا ..

مبسوطة؟

صار صعبًا علي أن أجيب على سؤال بسيط كهذا، فغالبًا يعتقد الناس بأن تجربة الانتقال لبلد جديد للعيش فيه والاستقرار هي تجربة تنقلك من الشقاء للسعادة، والحقيقة أن الأمر مختلف كلية، فأنت إذ تنفصل عن مكان مولدك ونشأتك لتبني حياتك من جديد ليس أمراً سهلاً بطبيعة الحال . لكن هناك جواب أحب أن أقوله وهو أني في هذه الفترة أحاول التأقلم، والارتياح، علّي أواصل “حلمًا ما” تراكمت عليه الأيام وتلاشى، فلدي مساحة أرحب لأبصر ما أريده، وأمضي بشكل واضح في الاهتمام بصحتي، ونفسيتي، وسلامة عقلي وجسدي .. ولأكون صادقة كل الصدق، فهذه المرحلة مرحلة العناية بقلبي .. مرحلة أن أكون كل شيء لنفسي في وحدتي.  

وجه للوحدة

النص السابع من سلسلة طوابع؛ أقصوصات بسيطة من الواقع أعيد كتابتها ..

وقفت في مقدمة طابور الانتظار، كان الهدف أن تحظى بالمقعد الاول عند النافذة باعتبار أن المحطة التي تصعد منها هي الأولى أي أن الأمر ليس في غاية الصعوبة. كانت امرأة جميلة جدا، بعينين زرقاوين، وجهها يحمل ملامح متناسقة ، هادئة، وصغيرة، تلبس فستانًا أسود قصير مرقط بلون أصفر، شعرها الذهبي منسدل على كتفيها، جلست على المقعد الذي أرادته بعد صعودها الباص فورًا، وضعت حقيبتها على حجرها، مدت يدها على شعرها ثم رفعت نصفه، أخرجت نظارتها الشمسية من علبتها ووضعتها على عينيها، ثم أخيرًا أغلقت أذنيها عن العالم وضجيجه بسماعتها .. ربما كان المشهد متكررا حتى اللحظة، إلا أنه لم يكن كذلك بالنسبة لي، حيث أني رأيت فيها نموذجا استثنائيًا من الراكبين، وكأنها لم تصعد هذا الباص وفي هذا الوقت المزدحم جدًا لأنها تريد العودة للمنزل، أو مقابلة حبيب، أو للذهاب في نزهة، بل لأجل غرض آخر ..
كان الباص مكتظًا بالكادحين الذين انصرفوا للتو من أشغالهم،غير أنها الوحيدة منهم أدركها شعوري، والتفت إليها إحساسي، ففي اللحظة التي كنت أشعر بنفسي اختنق في هذا التكدس، توقفت عيني عندها طويلًا، فقد كان فيها ما يُلفت النظر، إذ رأيتها تميل برأسها على النافذة، ثم تحاول أن تدس وجهها بأكمله على الزجاج، ظننتها في بادئ الأمر أنها تحاول أخذ غفوة لطي المسافة والتعب، لكن الحقيقة أنها لم تفعل، استمر رأسها مائلًا، وجسدها بأكمله مدفوعاً إلى جهة النافذة. بدأتُ ألمح حركة على وجهها، كعضها لشفتها بانكسار، وتحول وجهها الصامت جدًا إلى وجه حزين، كانت ترفع يدها بشكل متكرر لمسح شيء ما على خدّها.. عندها عرفت، وتبين لي أنها دموع، فما أن تخرج تلك المُلُوحة عن إطار النظارة حتى تعاود تمرير أصبعها بسرعة لتكفكف وتمسح وتخفي. إنها تحاول إخفاء حزن يخلع قلبها من مكانه. كانت قد اختارت الوقت والمكان الذي لن ينتبه إليها فيه أحد، فكل القاعدين والواقفين لاهم لهم -في تلك الساعة-  غير الوصول إلى منازلهم بعد تعب نهار كامل، عداها، لم تكن تأبه لأي محطة، ولا تلتفت لتلك الكثرة، بل كانت غارقة تماما في بكاءها ودموعها التي تظن بأنها لا تُرى، كان من الملاحظ أنها قد حسمت أمرها بممارسة تعاستها ووحدتها في هذه الظروف، ربما لأجل أن لا تبكي وحيدة في سريرها، فصخب المكان قد يخفف عن نفسها وطأة الوجع، أو ربما هاربة! هاربة مع دموعها وبصحبة غصتها من محيط معروف لمجهول، باحثة عن خصوصيتها -التي لا تستطيع ممارستها في بيتها الخاص- في أكثر الأماكن عمومية، أرادت البكاء دون أن تكون مجبرة لتبرر لأحد سبب ذلك، فغالبًا في الباص لن يسألها أحد لمَ تبكي، ولن يمد أحد يده للمساعدة، ولن يكون الأمر بذاك الاغراء للتطفل أو الفضول، عدا أن يكون شخص نبيل جدًا وإنساني جدًا، حد أنه لن يهتم بشيء في تلك اللحظة، سوى بفتاة تجلس على مقعد غير آبهة بأحد، وتبكي!

ثرثرة من مقعد في مقهى ..

مر وقت طويل جدا جدا عن الكتابة في صفحات مدونتي، لا أعرف حقيقة السبب الذي كان يعيقني عن فعلها أو اقترافها أو حتى التسلية خلالها، غالبًا ليس هناك سبب محدد عدا أنه لا مزاج لي !
والآن ولدي هذه الرغبة الجارفة والمجنونة بداخلي، ماذا عساي سأكتب؟ أو بماذا سأبوح؟
هل أتحدث عن أحد فتياتي التي يعشن داخلي؟ ربما سأحب ذلك .. وأقول ربما لأني لطالما لم أكن واثقة من أي شيء .. وكل شيء ..

أجلس الآن في شرفة أحد المقاهي في اسطنبول، أمامي أشجار لاتنتهي، وخضرة تجعل الروح طيبة، وسماء ممتدة بزرقتها، متناثرة في نواحيها بعض السحب القطنية التي تتمنى لو تقفز على أحدها وتتمدد فيها وتمضي معها إلى حيث تتلاشى ولاتعود موجوداً ، أي تنتهي كما تنتهي غزل البنات في يد الاطفال.. لنعود لاسطنبول، أسكن اسطنبول نعم، لكن ليست تلك التي يعرفها الجميع، بل التي تزيد كيلومتراتها بعدًا عن المنطقة القديمة قرابة ال 40، هذا على أقل تقدير .. ساكنيها أتراك بلاشك، تجد فيها جاليات صغيرة مختلفة من العرب مثلي.. تستطيع أن تصادفهم، تبتسم لهم وتمضي .. إن كنت سأتحدث عن الحياة، وعن نفسي تحديداً ، فأنا هنا اكثر انسجامًا مع حياتي .. مهما كبرت مخاوفي فلازلت في إطار الحياة، عفواً ربما لا أحد يعرف أن الحياة في مكان آخر بالنسبة لي أكثر اختناقًا وحدّة إلّا من صداقات قليلة لولاها لكان كل شيء أكثر سوءً ..
أسير في شارع طويل، أركب الباص، أتوقف في المحطة التي أريد، أكرر مواصلة المشي للمكان الذي أريده .. نعم بهذه البساطة .. ثم أني لا أملّ الحدائق التي تعيد إلي توازني في كل مرة أتمدد فيها على العشب، أو أحرر خلالها قلبي من عوالقه .. أفعل بقلبي مايُفعل بالأشجار تماما ، أشذّب أطرافه ..
مالذي أريد أن أقوله من كل هذا؟ لاشيء .. عدا أني أحاول العودة لأماكني تدريجيًا.. فأنا لم أعد في أي مكان، لا أنتمي حتى لنفسي .. كيف يعيش الإنسان مشرداً في داخله ؟ وحيدًا دون أن يجد ملاذه في نفسه؟ هذا الضياع كثيراً مايجعلني أكثر اضطرابًا مما أبدو عليه.. الروتين الذي يكرهه الناس، هو حقيقةً الأجدى للانجاز، والفعل المتواصل، و من يعرف كيف ينسجم مع روتينه بذكاء، فهو محظوط جدًا .. لست أقدّم أي نصيحة لأحد، لأني فعلاً أكتب لنفسي، لأجل أن أترك قلبي يتحرر من قيود لا أفهم كيف قيد نفسه فيها..
لطالما آمنت بالمحاولة ، والمحاولة، والمحاولة ، حتى اسميت نفسي بشكل سري “محاولة” فحين أسأل: من أنا؟ أجيب في نفسي: محاولة! لكن المصيبة هي أن محاولاتي بقيت في إطار ضيق، وهذا ماتم اكتشافه بشكل متأخر جدًا .. أدور في دائرتي المريحة ربما ، حتى إذا ماخرجت منها شعرت بنفسي أسقط عميقًا.. رغم أن كل سقوط أعود منه في النهاية وأقف ولابأس .. لكن الحقيقة أننا نخسر كثيرًا في سقوطنا .. نخسر في أحيان كثيرة أطراف قلبنا حتى لا يعود يعرف كيف يمضي ويسير ويحلق.. لكن أصبحت أفكر أنه ربما ولا بد من الخسارة على أي حال، إذا أردنا أن نكسب شيئًا غالبا سنخسر آخر، وإذا لم نرد الخسارة أبدًا فإننا ربما لن نحضى بشيء.. معادلة بسيطة؟ بديهية؟ لا أعرف!
لقد تعرفت على معاني مقابل معاني حتى إذا ماكنت واثقة منها بدأت أتشكك في وثوقيتها كالتخلي على سبيل المثال .. فأنا قد تخليت كثيرًا عن علاقات، صداقات، حتى ماعدت أطيق فكرة “التخلي”، كان دائمًا في سبيل أن أكون أكثر انطلاقًا وتجاوزًا لمناطق انحبست فيها طويلًا .. والآن أتساءل ماذا عن الأحلام والأمنيات والذين نحبهم ؟ مثلاً رحلتي الطويلة في أرجاء العالم! هل حقًا تخليت عنها؟ لا أعرف.. لا أعرف مطلقًا .. فأنا لم أعد أفكر في الأمر كما كنت أفعل من قبل .. وهذا تحديداً يجعلني أتساءل، ماذا عمّا نريده حقًا؟ ألا نتشبث؟ ألا نتمسك؟ ألا نحارب؟ ألا نناضل؟ أم أننا نمضي و نترك للحياة أن تدور وتعيدنا إذا كان لنا عودة؟

لن أجيب على أي من الأسئلة، ولن أطرح المزيد، ولن أقول بأن الفتاة التي كتبت عنها بالأعلى هي أنا.. ربما هي طيفي، خيالي، أو جزء أصيل مني أو لست أنا أبدًا.. لن يعرف أحد ذلك .. وربما حتى أنا لن أعرف مطلقًا ..

اسطنبول ٧: رسالة أخيرة

اقترح عليك وأنت تقرأ هذه التدوينة أن تستمع لهذه المعزوفة التركية

DSC_0914

إلى كل من تمر عينيه على كلماتي، إلى كل من تقابل روحه روح حرفي أكتب..
إن لم يسبق لك زيارة اسطنبول فتخيل الآن أن هذه المشاعر هي التي ستقابلك هناك، وإن كنت قد زرتها فأعتقد أن مشاعر أكثر تعقيداً وجمالاً مما كتبته هنا هي ما مرت عليك واستقرت في قلبك.. عن اسطنبول أكتب..

يالجمال هذه المدينة التي تجمع التناقضات فيها دون أن تبالي، هي المدينة التي تستطيع أن تلمس أنها شديدة الحكمة في وضح النهار وكثيرة الغواية في الليل. هي تجمّل فكرة التناقض للحد الذي يجعلك تتصالح مع الفكرة مثلها، فهي المدينة المتصالحة تماماً مع نفسها لربما الثقافة والجمال اللذان يرفلان عليها هما سبب ذلك التصالح. لاشيء يستطيع أن يعبث بجمالها فهي حتى وإن حاولت أن تشيخ فهي لا تملك الصلاحية لتفعل. مدينة كتب عليها أن تبقى فاتنة للأبد. كل ذلك الغرور الذي تلمسه وأنت تسير في أزقتها العتيقة هو يزيد من إدراكك عن مدى ثقتها في ذاتها، ثقتها بجمالها.

DSC_0524

كنت خلال سيري في شوارع المدينة، أنظر في بحرها الذي يعرف كيف يسيطر على كل تلك القوارب التي تركبه، وأتساءل! و أتأمل وجوه كل أولئك الأطفال التي تلفها البراءة والجمال، وأتساءل! و ألمح عاشقين يجلسان متجاورين في حديقة يتآملان المآذن ثم يطوق أحدهما الآخر بيده بينما يحط الثاني رأسه دلالاً على كتف الأول، و أتساءل أيضاً! أتساءل كيف لك يا ناظم حكمت أن تقول في أبياتك :

أجمل البحار
هو الذي لم نذهب إليه بعد
و أجمل الأطفال
هم الذين لم يكبروا بعد
و أجمل الأيام
هي تلك التي في انتظارنا
وأجمل القصائد
هي تلك التي لم أكتبها لك بعد
ياصغيري !

لربما يحق لغيرك أن يقول ذلك، مثلي أنا مثلاً! أما أنت الاسطنبولي فلا، لا أشعر أن لك الحق في ذلك. حتى أنا بعد أن شاهدت كل ماشاهدت في اسطنبول لا أظن أني لا أزال أملك الأحقية لأردد أبياتك!! لكن أتعلم يا ناظم حكمت ماسأفعله أنا، أتعرف ما سأنقله عن اسطنبول؟ وما سأقول فيها؟! سأخبر صغيري ذات يوم حين يجيء إلى الدنيا بأني رأيت أجمل البحار وأجمل الأطفال وأني نظمت أول قصيدة حب في حياتي في مدينة اسطنبول الجمال، مدينة الحب والصلاة.
اسطنبول ملهمة ومثيرة للإهتمام ليس لي وحدي بل للعابرين، والباحثين، والسائحين. وحتى الذين لا يأتوها والاهتمام يسكنهم، فمجرد النظر إليها من الأعلى، من الطائرة قبيل الهبوط والدخول سيتملكهم الإهتمام. سيفتك بهم سحر جمالها لامحالة، دون وعي سيجعل رغبتهم في الاهتمام رغبة أساسية وملحة.

DSC_0921

في اسطنبول، ستلمح في وجوه السائحين وقسماتها ذلك الحديث الذي لا نلقاه إلا بين النفس والنفس. حديث الأسرار وحديث الحب والعشق. صدقوني فأنا لا أبالغ إن قلت أن اسطنبول استطاعت أن تحتل مكانة المدينة الأولى في قلبي. هي المدينة المنطوية على نفسها ومنفتحة بذات الوقت، المدينة التي تحاول دائما أن تأخذ نفساً ونفساً آخر لتتأكد من اتجاهها ومسيرتها! هي المدينة التي تملك في قلبها الجمال والحب، هي المدينة الكاملة، التي تعرف كيف تستجيب للحياة. أما عن أهل اسطنبول فهم لا يجاملوك على حساب شيء هم إما لطفاء لأنهم كذلك أو أشداء لأن تلك طبيعتهم. لا يعرفون التصنع، إن كذبوا فهم لا يكذبون تحت قناع الصدق، يكذبون دون مراوغة. إلا أنهم لايعرفون أن غلاظة لغتهم وتراكيبها هي ماتفسد عليهم فهم الآخرين لهم. وإلا فهم أوضح من أن يكونوا غامضين.

DSC_0610

اسطنبول مدينة الإنسان والحزن، لقد كتب أورهان باموق الروائي التركي فصلاً كاملاً في روايته يتحدث فيها عن الحزن، ذلك الحزن الذي يخص أهالي اسطنبول وحدهم. إلا أن الحزن ذاك هو ذاته الذي جعلها تتسع لتفهم ماضيها جيداً وتتعامل مع حاضرها باتزان لا هي القابعة في الأمس ولا هي الماضيه للوهم. تتراوح بين شرقيتها وغربيتها لتذكرنا بأننا إن أردنا أن نكون أقوياء بذواتنا فيجب أن نتسع دون أن نضيع، ونضيق دون أن نختنق.

ألا زلت تشك في أن اسطنبول هي المدينة الأولى للحب؟ هي المدينة التي تبتسم لمن يفهمها وتتجهم في وجه من يجهل قيمة الجمال ومعنى الحب؟ أتشك لحظة في أن اسطنبول مدينة الحب والصلاة؟ أما أنا فلن أشك قط.

DSC_0850

ملاحظة: السفرهو للروح وليس للجسد فقط لذا اطلقوا أرواحكم جيداً، لتخالط أجسادكم البشر وأرواحكم السماء والطير والشجر.

 فاطمة.

اسطنبول٦: السوق | BAZAAR

التسوق في اسطنبول له مذاق القهوة والفواكة المجففة، يوزن بالفضة ربما، ومنقوش بزخارف ملونة. لا تستغربوا علاقة كل ذلك بأسواق اسطنبول.. على الرغم من أن جمال أسواق اسطنبول يكمن في شعبيتها وقدمها.. اسقفها وطريقة بناءها.. أزقتها وتفرعاتها.. جدرانها المتشققة العتيقة، إلا أنك لو أردت أن تعيش التجربة التركية للسوق فحاول أن تكون بسيطاً وتحدث لأولئك البائعين، اترك بينكم مساحة للحوار والمزاح والضحك. حين تدخل القراند بازار أو محمود باشا بازار أترك لقدميك أن تقودك، أترك لنفسك أن تشتهي، ستتوه ولن يكفيك يوم واحد لتشبع رغبة الاكتشاف. ستمشي كثيراً دون أن تشعر بالتعب ولا الملل. ولا يضيرك إن اشتريت من أول محل تشاهد فيه كوب قهوة أعجبك أو لا لأنك ستشاهده مرات أخرى فيما بعد. وستقارب وتقارن في الأسعار وهذا أكثر مايهمك. الحقيقة أنك في هذه الأسواق ستسمع أصوات البسطاء من الأتراك جلياً خلال أحاديث الباعة وتجاذب أطراف الحديث معهم.. فأول سؤال قد يطرحوه عليك هو من أين أنت؟

DSC_0796

كنت أسير مستمتعة بالنظر إلى تلك المحلات المتراصة جنباً لجنب بطريقة عشوائية فمثلاً محل اكسسوارات بجانبه محل لبيع الحلويات، وأخر يبيع الاكسسوارات والشنط مرة أخرى ومن ثم بائع القهوة وهكذا. كلها تتشابه إلا أن المختلف الوحيد هم البائعين أنفسهم. فأول محل دخلت إليه كان يبيع الفضة، تحدثت إليه بالانجليزية ثم حين سمعني أتحدث إلى أختي باللغة العامية قال أتتحدثين العربية الفصحى؟ وبدأ يحكي لي أنه لا يعرف إلا الفصحى ويحمد الله على أنه تعلم اللغة العربية الفصحى ثم قال أنا لا أفهم أي من اللهجات التي تتحدثون بها إطلاقاً فأرجوكم حدثوني بالفصحى. لوهلة شعرت بالخيبة من نفسي، فأنا لا أتحدث الفصحى إلا فيما ندر فاستخدامي لها غالباً مايكون للكتابة فقط وليس للحديث. شعرت بشيء كالحزن على نفسي ثم أن هذه الخيبة تخصني وحدي لا بأس عليكم، ولا تعيروها اهتمامكم.
أجواء تلك الأسواق الشعبية البسيطة جميلة جداً، وصاخبة جداً، كل البضائع هناك مصنوعة محلياً أي في تركيا، فحين تعجبك الأشياء حولك وتبدأ في اختيارك لها تسمع البائعين يحاولون تنبيهك وبكل فخر بأنه مصنوع في تركيا أي بجودة عالية، لا تخشى شيئاً، هذا الفخر في محله! مشيت كثيراً ثم توقفت عند محل يبيع علب من الخشب، منحوتة و مزخرفة بطريقة رائعة، أنيقة جداً جداً، فخمة لأنها مصنوعة باليد، وكم أقدس الصناعة اليدوية. هذه المرة جربت الحديث مع البائع بالعربية، فإذا به يقول بصوت متفاجئ ومندهش: ماشاءالله عرب. ثم بدا على نبرته شيء من الحزن وهو يقول ماشاءالله ماشاءالله، ثم صمت لوهلة وعاد يردد من جديد: الحمدلله أنت عربي الحمدلله. وكأنه يقول لي أنت محظوظة، ألا تشعرين بهذا النعمة! ثم ماعاد مهتماً إن اشترينا أو لا، فقد كان جل تركيزه على حديثي أنا وأختى ونقاشنا فيما نختار لأننا نتحدث إلى بعضنا بالعربية، ثم فجأة نسمعه يعود ويكرر الحمدلله أنت عربي الحمدلله، كنتُ منصته له جداً بوجه خجل غير ملتفت، هذا المسلم مكترث أكثر منا للغة العربية حتى كدت أشعر به يقدسنا فقط لأنه حاول أن يقارب في ذهنه بين حديثنا والقرآن الذي يسمعه ويقرأه. أقسمت في نفسي أني لن أخرج من محله دون أن اشتري شيئاً منه، وفعلت ذلك غير آسفة.

DSC_0331DSC_0725لتلك اللحظة لم يصادفني أحد اكترث كثيراً ليسألني من أي البلاد أنتِ إلى أن وصلنا أحد محلات الفضة التي أعجبني فيها عقد وخاتم، أخذت أختار وأجادل في الأسعار ثم فجأة بدأ يسأل أنتِ من أين ثم جاوبناه جوابنا المعتاد، من اليمن. قال: اليمن !! وبدأ يغني عن التابعي الجليل والجميل “أويس القرني” وابتسامة كبيرة تعلو وجهه وأظن بأنها أغنية مشهورة في تركيا. وبعدها أخذ يحكي لنا قصة هذا التابعي وخلال حديثه تستشف الحب العميق الذي يكنه لهذا التابعي ويقول بصوت يميل إلى الخشوع بأني أحبه لأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد أحبه كثيراً. يالهذه الروح.
الكثير الكثير من الحكايات الممتعة خرجت بها مع أولئك البائعين الطيبين. كان آخرها مع بائع محلات الحلوى “الحلقوم”. كنت من أول أيامي في اسطنبول قد عشقت حلوى الحلقوم بالرمان والعسل. وقبل سفرنا بأيام ومن هذا المحل تذوقناه مرة أخرى وقررنا شراءه، بالرغم من أننا اخترنا مانريد منذ دخولنا إلا أنه حاول معنا أكثر من مرة أن ننوع في خياراتنا وأخذ يحاول معنا تجربة النكهات، يقدّم لنا قطع صغيرة لنتذوقها ويقول هذا بالفستق وهذا بالجوز وهذا بنكهة كذا وهذا بكذا، وأكثر ما يكرره علينا أنه بالعسل وليس بالسكر. وهو يحاول أكثر من مرة كنت أقاطعه بأننا لا نريد سوى الرمان لكنه أصر على المحاولة  وفي النهاية لكثرة ماقاطعته وأصريت على اختيارنا، أخذ يحاول استفزازي بطريقة أقرب ماتكون بالدعابة فقال ها “بترون” ويشير لي بطعم ونكهة جديدة ويقول تريدين؟ ثم بنوع بهار آخر، كفتة، شاورما ها “بترون” تريدين؟ ولم أكن أفهم في البداية مالذي تعنيه كلمة “بترون”، فسألته فإذا به يقول تعني Boss !! أخذنا نضحك معه كثيراً وقبيل خروجنا سألنا من أين أنتم؟! أخبرناه من اليمن وأخذ يردد ذات الأغنية عن أويس القرني الذي غناها أكثر من رجل تركي علينا احتفاء بكوننا من اليمن لأجل التابعي الجليل. لم أكن أعرف أن الشعب التركي شعب مرح ولطيف لهذه الدرجة، فتجربتي السابقة  كانت مجرد ترانزيت لكن مالحظته منذ دخولنا المطار هو التجهم والحزن هذا ماكانت تكتسي به وجوه أهل اسطنبول. أما هذه المرة فلاحظت فيهم الجانبا الآخر.

يالجمال اسطنبول ويا لتناقضاتها المثيرة ..

اسطنبول ٥: من آثار سليمان

سليمان القانوني وما أدراك ما سليمان! أكاذيب وحقائق وقصص كثيرة دارت حول هذا السلطان تحديداً، وخاصة بعد المسلسل المسمى بحريم السلطان.. طبعاً لم أذهب لاسطنبول للتحقق في تاريخ أحد، لكن كان من المهم أن أزور جامع السليمانية أحد أجمل العمارة الخالدة في اسطنبول.. سأعترف بشيء ما هنا، وهو أني كلما استرجعت الحضارة العثمانية ومنجزاتها شعرت بشعور غريب، مشاعر مختلطة وأحياناً متضاربة على الرغم من أن مشاعر حبي لها تغلب المشاعر الأخرى على الأرجح، لكن حين أمرر فكرة الحضارة وفكرة الإنسان وسطوته وإرادته دائماً في بسط نفوذه اتحيز للفرد واحتياجاته فأشعر دائماً بشيء كالحزن، فامتداد الدولة العثمانية كل ذلك الامتداد يجعلني أتخيل أنها لابد وأنها مارست بعض الاستبداد الذي ساعدها لفرض ذلك النفوذ. وإلا كيف أفسر قوتها ومن ثم ضعفها وانتهاءها بعقلي البسيط وعلمي القليل؟ دعوكم من هواجسي ودعونا نتتأمل في نوعية الحضارة التي خلفّها العثمانين في اسطنبول لتهدأ النفس.

خرجنا من الفندق متجهين لجامع السليمانية لكن هذه المرة بالتاكسي، أخبرنا العم العجوز عن وجهتنا فأشار لنا بأن الجامع قريب جداً لكنه لم يمانع في نقلنا، أخذ يحكي لنا خلال الطريق عن الجامع بلغته التركية بسعادة غامرة وفخر، لم نفهم كامل حديثه لكن بضع كلمات عربية أسعفتنا لفهم سياق جمله وتراكيب حديثه، إلى جانب المعلومات التي كنا نعرفها مسبقاً عن السلطان وجامعه، فكان يقول العم العجوز صاحب التاكسي بأن الجامع قد بناه المعماري سنان باشا وهو أحد أهم المهندسين في تاريخ الدولة العثمانية وهو ذاته الذي بنى في الحقيقة أغلب المساجد والقصور وأعظمها، ثم حاول أن يشرح لنا بأنه عند دخولنا سنجد مقبرة كما اسمها “تربة” تلك التي يوجد فيها ضريح السلطان سليمان القانوني.

DSC_0082

وصلنا جامع السلطان سليمان القانوني.. ويالذهول فقد كان حقاً تحفة معمارية، وجوهرة هندسية باذخة في الجمال.. كانت تتوسط سقف الجامع قبة كبيرة ضخمة تداخلت معها قبب صغيرة أعطت الجامع منظراً مهيباً جمالياً يسطو عليك، ابتدأنا الزيارة من حيث المقبرة والضريح وماحوله، مشينا قليلاً في فناء المسجد، أخذت أتأمل المكان والبناء لوقت طويل، وفي تلك الأثناء دخلنا الساحة الداخلية وعندها أخذت أراقب المدخل المؤدي لرقعة العبادة والصلاة، حيث كانت تقف عندها مجموعة من السياح الأجانب. بدأ نساء تلك المجموعة بغطاء شعرهن بقطعة من القماش، أما الرجال فقطعة القماش تلك تعطى لأصحاب الساق المكشوفة لسترها. عند تلك البوابة يبدأ كل زوار المسجد بخلع أحذيتهم ووضعها في كيس مخصص أياكان غرض زيارتهم، ثم يدخل المسلمين وغيرالمسلمين من باب واحد لا من أبواب متفرقة. يقف غير المسلمين في مساحة معينة داخل المصلى لمشاهدة الصلاة والتصوير، وفي بعض الأحيان يرافقهم مرشد يسرد عليهم تقسيمات المسجد وأسباب بنائه بهذه الطريقة من الداخل خاصة فيما يتعلق بالمحراب وغيره. في الحقيقة يتذمر البعض من فكرة غطاء الشعر وأجزاء من الجسد، إلا أن أكثر الذين تذمروا أمامي في النهاية تقبلوا الأمر.

DSC_0091

الفناءات والمباني الموجودة حول الجامع تستطيع أن تصور لنا سبب تسميته ب”جامع” السليمانية، فكما قال التاريخ أنه كان جامعاً حقيقياً فيما مضى فهو لم يقتصر ليكون مكاناً للعبادة فقط بل كان مدرسة ومكتبة، كان للحياة الروحية والفكرية والاجتماعية و حتى الإبداعية. لا أقول للحياة لأنه ذات مهام متعددة فقط بل لأنه حمل رمزية القوة الفنية للعمارة العثمانية التي تتلخص في الجمال والإبتكار قبل كل شيء، فأستطيع الآن استحضار فكرة الحبر التي ابتكرها سنان باشا خلال تصميمه لهذا البناء، فيقال أن سنان بنى غرفة تجمع الدخان الأسود المتصاعد من قناديل المسجد بطريقة ما ليصنع من هذا الدخان حبراً للكتابة، لم أشاهد هذا بعيني لكن الفكرة وحدها أذهلتني. ليس هذا فحسب بل نرى معنى الحياة من خلال طريقة البناء الفريدة للجامع، فكما أرى فإن الحضارة العثمانية قد اعتنت حقا بالجمال على إطلاقه، فلا أستطيع نسيان ساحات الجامع وأعمدته الرخامية العتيقة إلى جانب النقوش والزخارف الصغيرة والكبيرة على المآذن والقباب التي تراكمت جمالاً على جمال، كل تلك التفاصيل الملونة المزخرفة على القبة الضخمة في الداخل تثير مشاعر روحانية وجمالية عجيبة، تعير قلبك وجوارحك سمة النطق الغير منطوق خاصة خلال تجولك في أنحاء المسجد من الداخل، فأنا قد اتسعت عيني دهشة لتلك الرسومات والصبغات والألوان التي كانت كحِليّة اكتست بها نوافذ الجامع. ولا أنسى تفاصيل خط الثلث التي كتبت به بعض من آيات القرآن.
خذ مني هذا الوعد، حين ترى تلك الآيات على تلك القبة الكبيرة ستظل تتأملها بإعجاب ورأسك وعينيك مرفوعة لأعلى لفترة ولا شيء سينبهك بالوقت سوى الألم الذي سيتسلل لرقبتك دونما شعور!!
لن أسهب كثيراً في الوصف أو بعبارة أصدق لم أعد أملك من اللغة ما استطيع به الوصف أكثر، لكن أبنية وعمارة كهذه تحمل هوية عثمانية يستطيع الكل اليوم تمييزها، بالرغم من أن سنان باشا كما قيل قد استقى بعض الأفكار الهندسية لهذا الجامع من العمارة البيزنطية التي تمثلت في آيا صوفيا إلا أنه أخرج الجامع بهوية و طراز عثماني. وكأنه كتب عليه بخط عريض صنع في اسطنبول.

صلينا فيه ومن ثم خرجنا من أحد باحاته الكبيرة، فوجدنا أكشاك تبيع بعض التذكارات، وغالباً ما أحب أن اشتري من أماكن كهذه لأن النظر إلى تلك التذكارات بعد مدة يجدد ذاكرتي ويبقي على التفاصيل واضحة أمام عيني.

اسطنبول٤: دراويش | Daravish

DSC_0742

وصلنا أخيراً لليوم الذي حضرت فيه مشهداً تصوفياً كاملاً حدث بجله أمام عيني، وهو عرض “آلدراويش”. قبل وعيي بالموسيقى التركية والتصاقها بي لم أكن لأحفل كثيراً بالتصوف والدروشة، إلا أن سحرالموسيقى التركية كان يفتك بي فتكاً، فأكاد أجزم أن كل الموسيقيين الأتراك الذين أستمع إليهم موسيقاهم تصوفية وإن نفوا ذلك. فيكفيني أن أدخل معها في حالة من الصدق والاعتراف يكاد لا يمرعلي في وقت آخر. هي قادرة على نزع الكثير من الأوجاع المتسربة في أعماقي وذلك بتصفيتها مما يشوبها حتى تظهر على السطح فأعرف أن هذه الأوجاع هي الحواجز التي تمنع عني المطر، وأحياناً الحب والحياة.

DSC_0749

 

بيّتُ نيةً عميقةً بأني هذه المرة لو ذهبت لاسطنبول لن أتنازل عن حضور عرض للدراويش بأي شكل، وحدث ذلك بعد أن اتفقنا أنا وأخي وأختي على الحضور وخاصة بعد أن تأكدنا من أن مكان العرض لايبعد كثيراً عن الفندق الذي نزلنا فيه. كان العرض يبدأ في الساعة ٧ تقريباً، لهذا بعد أن أنهينا جولتنا في السوق، مررنا للجلوس على شرفة المقهى المفضل “حافظ مصطفى” لشرب القهوة. والذي يقع في منطقة امينونو مقابل محطة الترام، والمطل على جزء من البحر. يكمن جمال تلك الشرفات بأن لازجاج لها، فهي عارية إلا من هواء البحر الذي يقبل عليك ويلطف أجواءك حتى يكتمل جمال اللوحة بكوب القهوة أو الشاي مع الكنافة، التي لا تستطيع مقاومتها، لها وجه ذهبي مكشوف و مزين ببعض الفستق ما إن تقبل عليك حتى يسيل لعابك وإن كنت في حالة شبع. هي الإغراء شئت أم أبيت. بعد أن انهينا فنجان قهوتنا حاولنا مرة أخرى أن يرافقنا أبي وأمي لحضور عرض الدراويش إلا أنهما أصراعلى العودة للفندق بحكم أن عرض كهذا لا يتوافق مع اهتماماتهما ولا مع يقينياتهما، افترقنا في تلك اللحظة ومضينا أنا وأختي وأخي صوب القاعة. وصلنا لمقر العرض، دفعنا التذاكر، وبعد دخولنا القاعة اكتشفنا أننا الوحيدين العرب، أما الأغلب فكانوا أجانب وقلة منهم أتراك. انتظرنا بضع دقائق ومن ثم دخلت الفرقة المكونة من عازف ناي ومنشد وعازف بزق و طبّال. بدأوا بالإنشاد والعزف بعدم حضور الدراويش أو الراقصين لمدة قد لا تتجاوز ١٥ دقيقة. خرجوا من المكان إلى أن دخل كبير الدراويش الذي لا أعرف كثيراً إن كان له اسم، بدأ بطقوسه العجيبة وهي فرش قطعة قماشية على الأرض وبعدها انحنى ثم خطى بعض الخطوات للوراء وتوقف، ودخل بعده ٣ آخرين، بدأ كل منهم ينحني للآخر. بعدها بدأ العازفون العزف ومن ثم ابتدأ دوران الدراويش يأخذ حيزه في فضاء تلك القاعة ووسط ذلك الجمهور الذي بدأ بالتصوير. كنت أنظر إليهم باندهاش ولاحظت أن بعض حركات اليدين تبدأ لتتجه إلى الأعلى ومن ثم إلى الأسفل، ثم يقوموا بوضعها بقرب الرأس، حركات لم تكن مفهومة بالنسبة لي. في الحقيقة أنا تعمدت عدم قراءة أي شيء عنهم والذهاب بجهلي للحضور وذلك حتى يتسنى لقواي الخفية ناحية الجمال و الإنسان لتتوه في هذا الدوران وتحاول أن ترصد الشعور البكر. كنت مع ذلك الدوران أفقد احساسي بمن حولي شيئاً فشيئاً ثم بالزمن. خشيت لوهلة أن أكون قد وقعت في فخ تنويم مغناطيسي أو شيء من هذا القبيل، فاحتار الشعور عندي إلا أن الحقيقة هي أن التجربة زادت من يقيني بأن الإنسان كائن يميل بطريقة أو بأخرى لأن يخترع مخرجاً -أقرب مايكون وصفه بأنه تعبدي- لنفسه ليموت خلاله أو يحيى، وكلٌ بحسب اعتقاده. وهؤلاء بدورانهم هذا يعتقدون أنهم متجردين وخارجين تماما من دنيا العفن. لم أكن أفهم الكثير من الطقوس التي يفعلونها ماقبل الدوران وأثنائه ومابعده. لكن هم يلبسون الأبيض دلالة على طهارة الكفن الذي نُلف فيه آخراً قبيل لقاء الله، ولأن هذا الطقس إعتقاد بأنه لقاء مع الله فاختاروا له الأبيض، أما بالنسبة لتلك القبعة الطويلة فلونها الترابي يشير إلى التراب والقبر، أي الزوال. هو طقس يحاول المتصوفة به إقناع أنفسهم أنهم قد وصلوا بذلك إلى قتل الغرور وأنهم قد اتصلوا بالأبدية التي لا تتعلق بحياتنا الواقعية الزائلة، بل تلك الخالدة. والانفصال هنا ثلاثي أي مرتبط بالعقل والروح والجسد. أي سكون كل شيء مقابل وصل مع المحبوب أي الاله.  فهم يطبقون اعتقاد مولاهم جلال الدين الرومي بأن الأرض ترقص لهذا يدورون.

DSC_0788

DSC_0774

خرجنا من هذا الحدث بروح أقرب ماتوصف بالهدوء. فطابع الموسيقى التصوفية هادئة رزينة وتحكمها قواعد التصوف والمتصوفة. وبعد خروجنا مباشرة توقفت عند “علي اسطه” بائع الدندرمة الذي أعادني طفلة في ثانية بحركة بهلوانية خفيفة أخرجت على أثرها ضحكة، كانت ضحكة سعيدة دون قرار للسعادة.

 

اسطنبول٣: رحلة البسفور

في التخطيط للسفر هناك من يفضل وضع خطة مجدولة ومرتبة جداً بكامل تفاصيلها، وهناك من يفضل وضع النقاط الرئيسية ومن ثم يضيف ويحذف، يقدم أماكن على أخرى بحسب ما يكتشفه ويجد أنه الأفضل حال وصوله المكان الذي يذهب إليه. هناك من يسافر لأجل الاستجمام والاسترخاء، وآخرين لأجل صنع مغامرات جديدة، وثلة لاكتشاف حياة أقوام آخرين. وأحسب نفسي أني من الصنف الأخير ممزوجة بالأصناف التي قبلها. فأنا أسافر للبحث عن المكنون والمستور.

DSC_0518

في أحد الأيام ونحن نسير متمهلين في ساحة السلطان أحمد أوقفنا رجل ما يتحدث العربية بطريقة مفهومة جداً يحاول ترغيبنا برحلة في البسفور عبر قارب بحري، فتح لنا خارطته و أخذ يشرح لنا النقاط التي سنمر بها وقد كانت كلها مناطق تاريخية ومباني عريقة إلا أنه خلال شرحه ذكر لنا أننا سنمر بمحاذاة قصر “نور ومهند” المسلسل التركي الأول الذي عرض على قناة أم بي سي ثم اكتسب شهرة مهولة في الخليج العربي ويقول البعض أنه السبب الأول في توجه الخليجين للسياحة في اسطنبول وأرجاءها.. المهم أني لمجرد سماعي لاسم نور ومهند لم يسعني إلا أن ضحكت، فلا ألومه لتنويهه على قصر مهند ونور أكثر من مرة، فهيأتنا ولهجتنا تدل أننا من الخليج وبعض الخليجيين لا يطؤون أرض اسطنبول إلا لأجل هذا القصر. لكنه طبعاً لن يعرف مطلقاً مدى شعوري أنا تحديداً بالإهانة من تلك النظرة وذلك التصور المرسوم في ذهنه فنور ومهند لا يعنيان لي مطلقاً ليس لأني لا أعطي قدراً للحب، بل لأن الحب في تصوري الخاص أعمق بكثير من تلك الصورة السطحية.. في الحقيقة أن هذا الرجل حاول مرارا أن يكسبنا كزبائن لكننا لم نفعل، ذلك لأن سعر التذكرة المدون في الإعلان بلغ حوالي ٢٠ يورو، ومن المستحيل دفع هذا المبلغ من قبلنا، فماكان منه إلا أن وعدنا بسعر تذكرة أرخص حيث أصبحت بعد محاولات ٢٥ ليرة تركية، ومن حسن حظنا أن الوقت آن ذاك لم يكن مناسباً لركوب القارب، وبعدها بأيام اكتشفنا أن التذكرة لا تزيد قيمتها عن ١٠ ليرات تركية !!

DSC_0524

وياللمصادفة ففي اليوم الذي قررنا فيه ركوب البسفور، حلت بعض الغيمات التي حجبت عنا الشمس، كانت ودودة معنا جداً، أظن أن جو اسطنبول مثلها يفاجئك كل لحظة فلا تكاد تتأقلم على شمسها وحرارتها حتى تأتي بعض الغيمات لتقف فوق رأسك ، وترسل معها نسمات باردة وكأنها تريد أن تقول لك مهما اتعبتك الشمس فأنا هنا بين وقت وآخرلأعتني بك وأهيء لك جواً يليق بالمكان الذي أنت فيه لنترك فيك الذكرى الأجمل، حقاً فقد فعل الجو ذلك بنا حيث أنه كان بديعاً جداً.. كانت جولة البسفورفي تلك الأجواء مذهلة للغاية.. لم يكن قارباً ولم تكن سفينة ضخمة، كانت سفينة صغيرة لا تحمل على متنها أكثر من حوالي ٤٠ راكباً. أخذنا مواقعنا في الدور الأعلى منها لنشاهد كل شيء عن كثب وحتى تكون الرؤية أكثر جمالاً. خلال الجولة كان ازدحام السفينة مزعجا بعض الشيء إلا أن ذلك الإزدحام لم يمنعني من مراقبة واستشعار جمال اسطنبول والتفكير في كل تلك المساجد والقصور والقلاع، وسرد تاريخ بعض السلاطين والعظماء الذين مروا خلال ذلك البحر في ذهني، أولئك الذين عمروا تلك الأرض، محمد الفاتح، مراد الثاني، سليمان القانوني، وكمال أتاتورك، ولا أنسى المهندس المعماري سنان باشا!! فاسطنبول تتجدد باستمرار لكنها تبقي على حلتها القديمة شامخة. ترد بها وعبر تاريخها وحضارتها في وجه كل أحد يحاول أن يهزأ منها،غير آبهة.

DSC_0538

ذلك التاريخ العريق الذي استحضرته ذاكرتي وأنا أشاهد قصر دولمابهجة الذي سكنه آخر السلاطين العثمانيين، وغيره من المساجد، تكامل مع صوت الآذان الذي أجبر صاحب القارب على وقف الموسيقى التي كانت تحاول أخذي للواقع كلما سرحت بذهني عنه. كان من الصعب جداً علي أن أراكب تلك الموسيقى مع ذلك التاريخ، فذاك الصخب لا يتناسب أبداً مع وجه الفاتح الذي يطفوا أمام عيني وأنا أشاهد أحد القلاع التي أظنها له. أنا لا أنتقد الموسيقى بشكل عام، لكني أنتقد تلك الموسيقى تحديداً التي ابتعدت كثيراً عن العراقة والتاريخ والأصالة فلم تلعب فيها آلات كالقانون والبزق مثلاً فلو كانت كذلك فلن يزعجني حينها صوتها ووجودها على العكس فلربما تقدمت إلى صاحب القارب بشكر خاص على صنعه مزاجي التاريخي بامتياز. ومع ذلك فأكثر وأجمل مالفتني هو أنه بمجرد أن بدأت تلك المآذن رفع صوتها صمتت كل الأصوات الأخرى وانتهت مؤقتاً. أدهشني ذلك الفعل حقاً خاصة وأنه تكرر في أكثر من موقع وأكثر من مرة. صوت الحق أعلى، صوت الحق أبقى.

DSC_0436

لا أعرف لو كان أحد ضمن كل أولئك السياح الذين صاحبونا في تلك الرحلة قد استرجعوا التاريخ مثلي، وشعروا بالخجل الموجع مثلي.. لكني فعلت.

اسطنبول٢: آيا صوفيا العظيمة

حين أردت أن أكمل الكتابة عن هذه المدينة الجميلة بعد موضوعي الأول “مجرد استكشاف” تنبهت لحاجتي لرفع مستوى لغتي أكثر، فاسطنبول هي المدينة التي لا يجب الحديث عنها بلغة بسيطة بل معقدة تشبهها، هي المدينة الصاخبة الرزينة في آن واحد، هي تلك التي تغريك بشرقيتها ثم تعود لتقول لك انتبه فأنا لم أكن بليدة للحد الذي جعلت شرقيتي تحاصرني وتردني لأرذل الزمن، بل أنا بين الغرب والشرق، بالبناء والتغيير. استثارت اسطنبول الكثير في داخلي، منها لغتي وعاطفتي بشكل كبير بطريقة تكاد ماتكون عنيفة و أظنها إلى الحد الذي جعلني متيقظة طوال الوقت، لأعيد شروح تاريخية، وحضارية وانسانية في داخلي.

DSC_0560

في هذا اليوم كنا قد قررنا زيارة آيا صوفيا، فكنت قد بحثت قبل سفري لاسطنبول عن طريقة اشتري بها تذاكر المتاحف دون أن أضطر للوقوف في مسار طويل قبيل الشباك لأجل تذكرة، وخلال بحثي وجدت أن أسهل الطرق هي شراء الميوزيم باس، الميوزيم باس عبارة عن بطاقة تستطيع بها الدخول لأكثر من متحف منها آيا صوفيا والتوب كابيتعمل لمدة ٣ أيام من استخدامها.. أعجبتني الفكرة جداً وقررت شراءها من اسطنبول حال وصولنا، وبحسب ماجمعته من معلومات عنها فإنها متوفرة في بعض الفنادق، لكن لم يكن الفندق الذي نزلناه ضمن تلك القائمة، سألنا كثيراً عنها ولم نستطع تحديد مكان شراءها بالضبط. وحال وصولنا لساحتها اكتشفنا أن شراء البطاقة أسهل مما نظن، فشراؤها كان عن طريق ماكنة  والجيد أن هناك مايقارب ٤ أجهزة أشبه ماتكون بأجهزة الصرف الآلي لتشتري منها البطاقة، وفعلاً لم نحتاج للوقوف طويلاً من أجل تذكرة.

عند الدخول لآيا صوفيا وبعد تمرير التذكرة يحدث مباشرة إجراء روتيني وهو التفتيش الشخصي، أي مرورك في جهاز مع وضع الحقيبة في جهاز آخر. تقدمت مباشرة بعد ذلك التفتيش إلى كشك لاستئجار الجهاز الصغير الذي يزودك بالمعلومات التاريخية اللازمة باللغة التي تريدها، يعمل عن طريق وضع رقم الأماكن المعنونة بها زوايا المتحف و الأجزاء التي تريد أن تعرف ماذا ترمز أو كيف بنيت أو من بناها. فوراً بعد كتابتك الرقم، يجيبك الجهاز مباشرة ويعطيك نبذة مبسطة عن الجزء أو المكان أو الرسمة بأسلوب أقرب مايكون إلى السرد التاريخي القصصي. لا أعتقد أن باستطاعتي دخول أي متحف دون استئجار ذلك الجهاز وكأني بذلك أؤكد على رغبتي بالتواصل مع السابقين، ذلك الوصل الذي لن يحدث. فأكتفي بتمرير المعلومات لمن حولي مع تدوين مايثير إعجابي وتساؤلاتي لأستزيد لاحقاً. 

DSC_0169

دخلنا الأعجوبة الحضارية آيا صوفياأخيراً، وياللدهشة !! كأني كنت أشاهد معنى التعايش بشكل جلي، فتلك القبة الكبيرة التي تعتبر جزء من الكنيسة قد تعانقت مع المآذن التي مثلت الإسلام بكل ألفة، تساءلت نفسي: ترى متى حدث كل هذا التسامح بين الأديان آخر مرة؟ لا أكاد أكون واثقة من كل ما أعرف عن التسامح، إلا أني شعرت فيه داخل آيا صوفيا، بقي المشهد عالقاً في ذهني إلى أن خطفتني الكتابات ومن بينها الله، و الرسول صلى الله عليه وسلم وتتوسطهما الصور والرسومات التي مثلت الكنسية بشكل واضح، رسومات جميلة للغاية في دقتها وألوانها. وحين أدرت وجهي فإذا بأسماء الصحابة الموجودة حول القبة تعانق مدامع العين، تلك التي كتبت بخط عربي باذخ الأناقة.. كانت الصورة بكاملها عظيمة لا يستطيع وصفها رائ مهما امتلك من بديع اللغة وجواهر الحديث، فالذي يحدث هو حضور الروح وصلاتها التي تختلف درجة سكونها وانفعالها من شخص لآخر نحو الجمال.. حين وقفت في وسط المتحف تخيلت بأني أقف موقف محمد الفاتح والفرق أنه وقف هناك موقف حق وموقف تسامح، أما أنا فطأطأت رأسي خجلاً منه، لكوني أظن أن الإنسان منحاز دائماً فراودتني نفسي بسؤال: إلى أي شيء أنت منحازة هذه اللحظة! لكن سرعان ماحملت قدماي حتى لا تعرقل أفكاري مشاعرالسكينة داخلي لأكمل جولتي في الجزء العلوي الذي كان لايقل جمالاً عن الجزء السفلي بل التأمل في كل شيء خلال الصعود.. الممر، النوافذ، التفاصيل، كل شيء زاد من إعجابي بهذا البناء الذي امتزج بشكل عجيب بين حضارتين، دون أن تخدش حضارة أختها، تأملت الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء ومن ثم خرجت، خرجت وأنا متشبعة تماماً، متشبعة جمال وأفكار.

انهيت رحلتي في آيا صوفيا العظيمة وليتها لا تنتهي.. فقد أثارت إنسانيتي حتى أني شعرت بسلام يحط في قلبي وأمل بأن التسامح والتعايش ليسوا أحلاماً أو أوهاماً بل مواقف قد تحدث يوماً كما فعلها أقوام آخرين.

بعد آيا صوفيا ازدادت شهيتي لزيارة المتاحف واحداً تلو الآخر، فلم انتظر لليوم التالي حتى أزور القصر العاليتوب كابي، أخذتنا أقدامنا حيث القصر، كنت أسير متأملة في الأسوار والحدائق إلى أن دخلنا المتحف ويبدو أننا دخلنا من بوابة كانت الأقرب لجزء “الحريم”. بشكل عام لا تضيرني كثيراً تلك التفاصيل التي تتحدث عن تاريخ حياة السلاطين الخاصة وزوجاتهم، لكن ما أثار دهشتي التفاصيل على الجدران، والنقوش، والآيات التي زينت بها الممرات المؤدية للقصر الداخلي كانت أعجوبة في الجمال. قصر ضخم لا تعرف بدايته من نهايته. تسير في الأروقة إلى أن تتوه، متاهة الجمال تأخذ بعضك وتترك بعضك في أروقة أخرى. هذا ماكان عليه قصر التوب كابي. إلى أن اتجهنا قاصدين الجهة التي احتفظ العثمانيون فيها بأجزاء مادية وقطع تعود للرسول ولصحابته، كالسيوف وغيرها. لا أكاد أصدق الإزدحام الشديد الذي كان على تلك البوابة، سمعت أحد الأتراك يخاطب من بجانبه ويقول “ملات ملات” ثم يرفع من نبرته “سبحان الله” وأخيراً يتمتم بصوت خفيض “صلى الله على محمد” من نبرته تسمع دهشته المختلطة بروح امتلأت خشوعاً، تلك الدهشة الي كبرت فيه بفكرة أنه برغم اختلافنا و تعدد توجهاتنا، ومذاهبنا، إلا أننا جميعنا اتفقنا على تلك الزيارة ووقفنا لأجلها طويلاً. ثم بمجرد أن دخلنا حتى شعرنا بقدسية المكان، ليس لأجل مافيه من قطع، بل ربما حديث ذلك التركي خلال انتظارنا وعدد الأصوات المصلية على الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن في الداخل هي ما أثارت ذلك السكون. أدهشتني الأجزاء والقطع الموجودة إلا أن السؤال الذي ظل عالقاً في ذهني هو، هل كل ذلك حقيقي؟ وكيف استطاع العثمانيون جمعه والاحتفاظ به منذ ذلك الزمن البعيد!!

اسطنبول١: مجرد استكشاف

رحلتي إلى اسطنبول كُتب لها ذلك دون تخطيط مبكر، كان القرار لها وليد لحظة وربما يستحسن مني أن أصف تلك اللحظة بالجليلة، حجزنا التذاكر ومن ثم الفندق وباقي التفاصيل تركناها لحين وصولنا، فالمدن التي تشبه اسطنبول لا تحتاج لنختلق  لها حياة تناسبها، هي تزرع فينا الحياة، هذا ما آمنت به. كل ما احتجت له حقيبة تتسع لملابسي الملونة وكاميرا ودفتر وكتاب و الصحبة طبعاً وذلك يعني عائلتي الصديقة.

DSC_0105

كانت الرحلة في أول أيام عيد الفطر ١٤٣٥، ولا أظن أني هنا بصدد الحديث عن تراتيب العيد، كان وصولنا لاسطنبول حوالي الساعة الواحدة ظهراً وهذا يعني أننا لم نحتفل على طريقة أهلنا في جدة بتاتاً. بعد الوصول وتخطي إجراءات الدخول والعفش، كان يجب أن نجد تاكسي ليقلنا من المطار إلى الفندق، وخلال طريقنا كالعادة تباهت اسطنبول أمامنا ببحرها الممتد على طول الطريق، بحرها الذي يخطف قلوب العابرين بها لمنظر القوارب والسفن التي تسير فيه وهي بذلك تكوّن  صورة اسطنبول الأولى في أذهانهم، تماماً كما فعلت بي. في هذا اليوم كانت اسطنبول في إجازة، وامتدت تلك الإجازة لعدة أيام، كانت كلها تحتفل بالعيد لكن على طريقتها، فلم أشاهد محفلاً خاصاً، لكن كل مالفتني هو الإزدحام الشديد في كل اسطنبول دون أن استثني منها شارعاً أو زقاقاً واحداً، هذا وإن عكس علي بشيء فقد عكس مظاهر الحياة في اسطنبول حتى شعرت بها تهديني حياتها.

DSC_0042

كنا قد قررنا سلفاً أننا لن نسمح للنوم أن يأخذ بقية يومنا بعد وصولنا للفندق بالرغم من أن أعيننا لم تذق طعم النوم منذ اليوم الذي قبله. لكن لا يجب النوم على مسافر في ساعات وصوله الأولى بل كل مايجب فعله هو الاكتشاف محاولاً بذلك تبادل الآلفة بين شوارع المدينة كزائر وبين روحه. فكان يوماً استكشافياً بامتياز، قررنا اكتشاف اسطنبول بالمشي على أقدامنا، كان المشي أحد الطرق الأسهل لاستشعار الحياة التي تعيشها اسطنبول، فكم هوجميل أن تمشي في شوارع ممتلئة بغيرك من المشاة، يختلفون في طريقة لباسهم ويجتمعون على أن يكونوا ذو ألوان، شعور الحياة لا يكتمل إلا حين تجد الأشخاص حولك ملونين، فكأن اسطنبول بذلك صارت حدائق ذات بهجة. خرجنا من الفندق الذي يقع في المدينة القديمة وتحديداً في منطقة (لالالي) قاصدين المسجد الأزرق، لم نحمل أي خارطة معنا لتدلنا، كان سؤالاً واحداً وجهناه لأحد العاملين في الفندق: أين تقع ساحة السلطان أحمد؟ فكان الجواب هو: المشي كيلو واحد تقريبا من هذه الإشارة بشكل طولي. منطقة لالالي تجارية حيث كان الفندق الذي نزلنا فيه محاصراً بأسواق الجملة من كل مكان وتحديداً الماركات التركية، ربما هي منطقة جيدة ينزل فيها عشاق التسوق والشوبينق. لكن ليس في العيد طبعاً فقد كانت المحلات التجارية مغلقة في تلك المنطقة طيلة الثلاث ليالي التي سكناها هناك. خلال طريقنا لساحة السلطان أحمد شهدنا المقاهي والمطاعم والبائعين الذين يجلسون على الأرصفة ولا أنسى بائعي الدندرمة – البوظة التركية- فبائعوها وحدهم قصة لا تنفصل عن الحياة. فخفة اليد والعرض البهلواني الذي يفعله أصحابها يرغموك على استشعار لذة الدندرمة قبل تذوقها فعلياً. هم يصنعون لك البوظة في قالب الضحك والسعادة.

DSC_0009

مشينا طويلاً و لحظة مرورنا بمحطة الترام التي تقع قبيل ساحة السلطان أحمد وبعد منطقة لالالي، توقفت. توقفت للحظات أتأمل الترام. فمساراته قد تحيرك، وتجعلك تتساءل كيف استطاعوا ذلك؟  اسطنبول شوارعها ضيقة وقديمة وخاصة منطقة كمنطقة السلطان أحمد هذا إلى جانب مرتفعاتها التي بدت في بادئ الأمر معضلة بالنسبة لي وأنا أفكر في طريق الترام و القطار، لكن رغما عن كل تضاريس اسطنبول الصعبة استخدم الأتراك الحل الأمثل والأنسب لتخفيف الازدحام المروري بإنشاء سلسلة الترام، ولم يكن تراما عاديا بل هو من النوع الجيد والحديث، كان هو الحل الذي أغنى الكثير من الناس عن اقتناء سيارات خاصة.

DSC_0007

أخيراً وصلنا لساحة السلطان أحمد حيث اجتمع جمال المسجد الأزرق بمآذنه الست وآيا صوفيا بقبتها الضخمة المهيبة، كان مجرد النظر نحوهما عن بعد له شعور قدسي خاص. تلك الساحة المكتظة بالناس تجعل اللقاء والصلاة والحب والجمال أشياء تترآئ أمام عينيك وتتداخل فيك. وقتها تمشي وابتسامة تعلوك وخشوع يلف روحك فأنت تقف على مشارف الجمال. في تلك الساحة تسكن الحياة الدينية والدنيوية مجتمعة، حيث تسمع أصوات بائعي الخبز التركي “السميت” متداخل مع صوت الآذان، وبائعي الفواكة كالبطيخ يتجولون بعرباتهم يستحثونك لتشتري منهم. وما أن تصل أمام عظمة المآذن بجمالها وأصواتها حتى تتشرب روحك الجمال وتتنفسه وتسري القشعريرة داخلك، فاسطنبول دون مساجدها وعمارتها القديمة هي لاشيء. تأخذك الرهبة في لحظات كتلك وتخالجك الكثير من المشاعر التي لا تستطيع تفنيدها في وقتها.. لكن كل تلك المشاعر تحديداً هي صحيحة بالضرورة فكما قيل الفن ابن الدين. ربما تلك المشاعر هي رد فعلنا تجاه الجمال، أي ماقال عنه كلايف بأنه الانفعال الجمالي، الذي لا يوجد له تفسير غير أنه النشوة، والشعور العميق الذي يجمع كل الأعمال الفنية، فمهما اختلفت في بنيتها السطحية هي تتحد في جوهرها.

ينتهي يومنا الأول هنا بغروب شمس اسطنبول أي حوالي الساعة ٨ والنصف، انطلاقا من تلك اللحظات لأيام أخرى أكثر جمالاً.