قابلية الإخفاق هي مايشكلنا ويصنعنا

*نشر في صحيفة مكة

تقول أناييس نن في إحدى مذكراتها: «عندما لا تحقق الحياة المحلوم بها نفسها في الواقع، تصبح فخاً مأساوياً». عبارة كهذه ما إن يقرأها أي عابر فإنها ستلامسه وتحرك فيه أشجاناً لا تنتهي. في المقابل قد يقرأ البعض عبارة متفائلة جداً فيفسر أن الذي كتبها لا يعيش الواقع أبداً، وإلا من أين يأتي بكل هذا التفاؤل. فلنحاول تفسير الموقفين بالأعلى بصورة سريعة.
ما الذي يجعل المتفائل يدعم التفاؤل؟ وما الذي يجعل اليائس ينصر اليائسين؟ هذا يتكون خلال التجارب الشخصية، فحزب المتفائلين هم من يتعثرون ويحاولون مراراً وتكراراً حتى يحظوا بما يريدون، أو ـ لنكون أكثر صدقاً ـ بعض ما يريدون. فليس هناك من يحقق كل مايريده بالمطلق. وحزب اليائسين قد يكونون أخفقوا وتعبوا فتوقفوا على الفور، أي وقعوا في فخ اليأس والاكتئاب والخوف من المحاولة، نتيجة لتجارب كانت نتيجتها الإخفاق. لن أقول ابذلوا جهدكم أكثر ولن أحرضكم على التفاؤل، فهناك من يفعل ذلك وهم كثر، بل أريد أن أخبركم بأن الإخفاق شعور وارد، بل وطبيعي، وأن تمام تركيبة الإنسان يكمن بوجود قابلية هذا الإخفاق وإمكانية هذا التعثر.
بمعنى آخر أننا في جوهرنا غير كاملين، وعدم الكمال هذا هو الباعث على الحلم والتمني، وهذا أمر إيجابي حقاً، فالحياة بمجملها لو كانت مثالية جداً، وكل ما نتمناه سيتحقق على أكمل وجه دون هذا الإخفاق الذي يبث روح المغامرة والتحدي، ستكون واقعاً غير قابل للحياة، أو لن يكون لنجاحاتنا معنى في داخلنا على الأقل. و هذا لأننا لسنا مؤهلين لحياة مثالية غير قابلة للهبوط والوقوع والتدحرج. فالأدبيات التي تتحدث بمثالية مطلقة عن حياة فرد واحد قادر على تحويل المجتمع لحالة نصر، هي قد لا تحثك للوصول لهذا الكمال ولا تلك المثالية، ولكنها هي ردود أفعال هذا النقص الكامن فينا، هي تعبر عن إرادات غير الممكن أو قليل الاحتمال، وهذا ما يجعلها جميلة، لأنها توافق حلم المثالية والكمال الذي لطالما سعى له الإنسان. بصيغة أخرى نستطيع القول إن قابلية الإخفاق هي ما يشكلنا وينحتنا ويصنعنا أفرادًا. فلو اقتطعنا قصص النجاح فقط من قصة حياة الفرد كاملة، فإن كل فرد منا هو ناجح بالضرورة في موقف، أو في ردة فعل، أو في قصة تغير حياته وتنقلها من حال إلى حال.
نستطيع أن نستفيد من إخفاقنا بإقرارنا أننا قابلون للإخفاق، فأكثر الذين يصابون بالاكتئاب سريعاً هم أولئك الذين لا يعتقدون بأن الإخفاق من صميم كينونتنا، فيتخذون موقفاً سريعاً من الإخفاق ثم يخشون الإقدام على الحياة من جديد. إن أحد أهم نتائج قبول الإخفاق داخلياً هو عدم الخوف من المغامرة وعدم التردد في مسائل حياتية صعبة، حتى لو كانت نسبة نجاحها ضئيلة. بالمقابل أولئك الذين يؤمنون بالمثالية ويتخذونها كواق من الإخفاق، يروعهم الإخفاق كثيرًا، فبدل الإقدام خطوة يتراجعون خطوات إلى الوراء، أو ربما يتركون إيقاع حياتهم على وتيرة واحدة دون بذل أدنى جهد لمحاولات أخرى.
إذاً فالمعادلة بسيطة، أننا لا نستطيع الوصول لأمر ما لم نختبر نقيضه في الغالب، فبدل الخوف من أن نتعرض للإخفاق في أمر هو أن نعتقد بأنه مهم للانتقال لمرحلة أخرى، فما لم نتعرض للحزن لن نشعر بالفرح، وما لم نتعرض للإخفاق لن نشعر بالنجاح، وما لم يصبنا اليأس لن نفهم التفاؤل، وهكذا.
يقول جبران خليل جبران: بعض الناس يقول: «إن الفرح أسمى من الحزن» ويقول آخرون : «إنما الحزن أسمى» ولكني أقول لكم إنهما لا ينفصلان، معاً يقبلان، وإذا انفرد أحدهما بك في المائدة فتذكر أن الآخر قد يرقد في فراشك.

العزلة وجه آخر للحياة

* نشر في صحيفة مكة

لن أتحدث عن العزلة كما يتحدث عنها المتصوفة باعتبـارهـا الخلاص، ولن أتحدث على أنها اضطراب نفسي يلجأ إليه مريض ما هربا وخشية. سأتحدث عن العزلة بصفتها أحد أوجه الحياة التي تساعد الإنسان بصورة مباشرة في فهم نفسه.
إن بشرية الإنسان تتلخص بصورة أو بأخرى في تناقضاته، فكل إنسان مهما كان من الأخيار تجده بالضرورة يحمل الشر في نفسه وترواده نفسه عليه بصورة دفاعية على الأقل، فيقول روسو :»لا وسيلة للإنسان بأن يعرف أبدا ذاته». قال ذلك حين كان يشرح أثر فعل الخير مقابل الشر وما يحدثه في نفس الإنسان فقد قال: «حين يجهل المرء على الدوام أي فعل من أفعال الخير يروق له، يظل شريراً بالضرورة وشقياً باستمرار» ثم عقب على أولئك الذين يفعلون الخير وأثره فيهم «بأنها لذة تكفي للإغراء بفعلها مرة أخرى» أي الخير. هذه هي التناقضات – الحب والقسوة، الخير والشر- التي تجعلنا نقر ببشريتنا فتزيدنا تقبلاً للآخرين، فإن انكشاف أخطاء البشر هي بطريقة أو بأخرى تجعلنا ليس فقط نتقبلهم بل نتقبل ذواتنا البشرية المجبولة على الخطأ، أي تقبل نفسنا الناقصة، هذه التناقضات تحديداً لاتنكشف فوائدها إلا في حال تركنا فسحة لعقولنا أن تصمت.
يقول باولو كويلو: «طوبى لمن لا يخشون العزلة». فالعزلة تبدو في ظاهرها مخيفة لكنك ما إن تنعزل حتى تسمع ما وراء الضجيج، وترى ما وراء ما تعرفه عن نفسك لتتعرف على ما هو مستودع فيك. العزلة تعطيك مساحة كافية لتكتشف نفسك وقدراتك المخبأة، حين تنعزل عن ضجيج الحياة بالتأمل والانفراد كلياً بذاتك يتكشف أمامك اتساع الحياة بعد أن كانت ضيقة ومتحورة حول أمر واحد. كأن تقود نفسك لتفهم ردود أفعالك، ثم تقف أمام نفسك ليس لتوبيخها بل لاكتشاف الحياة التي لم تكتشفها بعد فيك. لنتخيل أن هناك محاسبا عبقريا وهو من أهم الموظفين في شركة ما، هل تظن أنه هو محاسب فقط؟ ربما يكون كذلك، لأنه لم يترك للعزلة مجالا ما في حياته. فقد يكون هذا المحاسب كاتباً أو موسيقياً في جانب آخر، لكنه لم يدرك ذلك بسبب نمط الحياة السريع والكثيف بالمهام. يقول باولو كويلو: «ما لم تنفردوا بأنفسكم يوماً، فلن تعرفوها. وإذا لم تعرفوا أنفسكم، ستبدؤون بخشية الفراغ. الفراغ لا وجود له، ثمة عالم شاسع يستتر في أرواحنا».
لا تنتهي فوائد العزلة هنا، بل ما يزيدها جمالا هو أنها كثيرا ما توصف بأنها فترة ما قبل الانطلاق، أو بمعنى آخر هي الفترة الحاضنة لفكرة ما، حين نترك الفكرة تنضج على مهل تحت نار هادئة. هذا هو فعل العزلة وهذا يذكرني بما قيل عن العزلة التي كان يعتزلها الرسول الكريم في الغار قبل نزول الوحي، قيل إنها هي أحد تدابير الله له، فالروح التي يراد لها أن تؤثر في حياة البشرية لا بد لها أن تعتزل بعض الوقت وتنقطع عن أشغال الحياة وضجتها. وهذه النقطة تحدث عنها أيضاً أحمد خيري العمري حين أشار إلى أن مرحلة أصحاب الكهف في إطار سورة الكهف كاملة على أنها العزلة، وأشار بضرورتها لأولئك الذين يحملون أفكارا عظيمة، فكل فكرة تحتاج لأن تنضج في العزلة قبل إشهارها.
قد لا تتيح عزلة واحدة كشف أغوار النفس كاملة وقد لا تفعل، لكن نحتاج لأن نكررها بين فترة وأخرى، فالإنسان أولا وأخيرا لا يستطيع البقاء منعزلا إجمالا لأنه كائن اجتماعي، بل ينقطع لمجرد التجديد ثم يعاود تكرار الحياة في إطار؛ أكثر وعيا بنفسه وتمكينا لقدراته.

جدارة المعنى

* نشر في صحيفة مكة

حكي فيكتور فرانكل مؤسس علم العلاج بالمعنى في كتابه «الإنسان يبحث عن المعنى»، حين كان في معتقلات النازيين: «كنت أعلم أن التحاقي بفريق للعمل يعني موتي في فترة قصيرة -حيث انتشار الأوبئة في المعتقل- ولكن إذا كان لي أن أموت هكذا، فسوف يكون لموتي معنى على الأقل.
لأني أخذت على عاتقي المساعدة كطبيب بدلاً من حياة البلادة التي أعيشها».
إن حالة التعب التي يكون فيها الإنسان أحياناً أو ربما في الغالب لا تنفك عن المعنى القرآني الذي يقول: «لقد خلقنا الإنسان في كبد»، فالأمر الذي يجب على المرء الوعي به هو أن الراحة مفهوم سقيم في حياتنا هذه إلا إن وجد المعنى الذي يعيش المرء لأجله.
يقول ديستوفسكي: «ما يروعني هو ألا أكون جديرا بمعناتي وآلامي»، أستطيع تأويل مقولة ديستوفيسكي على أن المعاناة هي المقياس للإيمان أو لمعرفة كم الفراغ الذي يعيشه الإنسان.
فمعنى أن أكون جديراً يعني أن أنظر خلف تلك المعاناة، نحو الأبعد، وأؤكد قولي بما قاله الله تعالى: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا» هذا تأكيد على أن الخالق -الله -خلق الإنسان في كينونته وهيأه وصنعه ليس ليعيش عبثاً، فيرى البعض أن هذه القضية هي قضية كونية أي أنه تقدير كوني، فلو أن الإنسان أراد العيش بمحض إرادته لأجل العبث وإفساد الأرض والسيطرة، وصناعة الحرب، أو حتى العيش بأنانية مطلقة فإن ذلك يناقض طبيعته وذاته وأنه يناقض كذلك الهدف من المعاناة التي يعانيها، فيكون غير جدير بها.
فالغاية المطلقة والمعنى المطلق يكمن حيث يكون المعنى.
حكى فرانكل في كتابه، أن أحد أصدقائه في المعتقل قد فقد الأمل في أن يفرج عنه فما أن اعتنق تلك الفكرة حتى بدأ جسده يستجيب للذلك فانتقل إليه المرض وتمكن منه ومات بعدها.
فيعلق فرانكل على هذا الصديق: «وبذلك كان صوت حلمه هو الصحيح برغم كل شيء».
لربما كانت أوسع أحلامه في ذلك المعتقل وذلك المنفى هو الخلاص وقد نالها دون أن يمتلك جدارة المعاناة وجدارة المعنى، فلو فرضنا أن مصير الإنسان هو المعاناة، فإن تقبل تلك المعاناة يساوي عمق المعنى الداخلي لهذا الإنسان.
فبحجم ذلك المعنى تكون القدرة على تحمل تلك المعاناة بكامل أعبائها، فلو كان حجم المعنى هامشي ووقتي فسيكون التحمل بذلك القدر ولو كان واسعًا وعميقاً وارتبط بحجم خالق السماء فإنه يكون كذلك أيضاً.
إذاً فما قاله نيتشيه صحيح هو «أن من يمتلك سبباً يعيش من أجله، فإنه غالباً يستطيع أن يتحمل بأي طريقة وبأي حال»، نستطيع القول بأن الأمل هو المرادف الوحيد لفكرة غزارة المعنى، وهو الطريق لتقبل المعاناة ومواصلة الحياة وابتكار الوسائل للوصول إلى الجدارة والإيمان، فكلما كان الأمل عميقاً والإيمان غزيراً كان بلوغ المعنى يسيراً مهما عسر.

الدهشة أمر غير اعتيادي!

*نشر في صحيفة مكة

لعل المقاربة الأكثر صدقا حين نتكلم عن أمر كالدهشة هي ربطها بالأطفال، تلك الكائنات التي تنتفي لديهم صفة العادة، فكل شيء يقع تحت نظرهم هو دهشة بحد ذاتها، هو المجهول الذي يستثير حواسهم وتفكيرهم، لذا إن تمعنا في الاستماع إليهم أو مجرد مراقبتهم لانتقلت لنا ذات الدهشة.
لربما في نظري أعظم صفة يمتلكها الفلاسفة، هي صفة الدهشة والقدرة على رؤية الأمر الاعتيادي بصورة غير اعتيادية، فيقول باولو كويلو «الشيء الوحيد الذي أحتاجه هو أن أُدهش يوميا» إذن، نحن مثيرون للشفقة إن مر يوم بنا دون أن نصاب فيه بالدهشة، وربما الوصول للدهشة يأتي في سلسلة لا مناط في أن نحيد النظر عنها كاملة، هي نتاج أمرين «الشك والتساؤل» كما قال كارل ياسبرز: إن الأصل الدافع نحو إنتاج الفلسفة يتمثل في مجموعة من العناصر وهي: الدهشة، التساؤل، المعرفة، الشك، الفحص النقدي، والوعي بالذات».
نستطيع أن نأخذ سيدنا إبراهيم عليه السلام أنموذجا لإعادة النظر في المسلمات حين خاطب الكون (النجوم والقمر والشمس)، وكيف أن التأمل قد يوقعنا فجأة في التساؤل المباح أو الشك في النظرة التقليدية للأمر، ذلك التأمل الذي يثير دهشتنا لنعرف أنه ما زال هناك ما نجهله وما يثير داخل عقولنا أسئلة في الخلق والوجود والكون وكل ما يرتبط بنا وبالهدف من وجودنا، فإن قلق الروح إزاء المسلمات يتطلب الاتكاء على العقل للنظر إليها والحكم عليها، ذلك العقل الذي نهمل استخدامه كثيرا، فإن إبراهيم عليه السلام أعمل عقله كما قال الله تعالى «فَلَمَّا رَأَى الشَّمْس بَازِغَة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَر فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ» يقول د.
أحمد خيري العمري «الإيمان الإبراهيمي بدأ من الشك بمسلمات قومه، واليقين يبدأ من السؤال، وعندما تكون رسالة إبراهيم قد بدأت من التساؤلات ولم ينزل الوحي إلا بعد خوضه تجربة الشك والتساؤل، فإن هذه البداية تطبع الرسالة الإسلامية ككل».
إن الشخص الذي يجيد حقا خلق التساؤل من بطن الأمور العادية والروتينية هو الفيلسوف الذي يستطيع استعادة الدهشة وإثارة الأسئلة بصورة أكثر عمقا ونضجا عن الطفل، كتساؤلات سيدنا إبراهيم عليه السلام.
إننا حين نشكك في أمر ما فإننا بطبيعة الحال نكون قد أثرنا عقولنا ونقلناها من حالة التبلد التي قد تكون شبه مستديمة، إلى الحركة والتفاعل مع محيطه ليستخرج العلاقة في كل ما حولنا من أفكار ومعتقدات ويبني لها أساسا صلبا.
أن نلهث وراء الحياة بشكل اعتيادي وروتيني جدا ليس فقط أن نلغي الطفولة التي تسكننا، بل أيضا أن نلغي الفرصة لأرواحنا في أن ترى تفاصيل الجمال المتكدس فيما خلقه الله وما صنعته الفنون الإنسانية وما أنتجته العقول البشرية.

نفس تواقة.. وقلب ذو شغف

* نشر في صحيفة مكة

يقول الكاتب فلاديمير نابوكوف: «أبدأ يومي بالعمل وقوفاً في غرفة المكتب، وعندما تترك الجاذبية الأرضية أثرها على مؤخرتي أجلس على كرسيي المريح ذي الذراعين أمام طاولة الكتابة. أكتب حتى تترك الجاذبية الأرضية أثرها على عمودي الفقري وأتمدد على أريكة في زاوية المكتب». لا يحدث ذلك مع شخص ما لم يكن ممتلئًا شغفاً لما يفعله ويقوم به، أي ينسى نفسه وسط انغماسه في عمله إلى أن يئن جسده دون روحهِ.
يقول باولو كاويلو «الشغف والحماس يجعلان المستحيل ممكناً». لنختصر الحديث ونقول إن المعجزات لا تتحقق إن لم نمتلئ بالحب. فقد عرّف المعجم الوسيط معنى الشغف بأنه الحب والولع، ومعنى التوق هو الاشتياق للشيء، فالشغف والتوق هما تركيبة طبيعية لكل قلب، وهنا أتكلم عن المعنى الواسع لهذه الألفاظ المحددة
حين تعرف كل نفس ما تشتاق إليه ويعرف كل قلب ما يحبه من عمل، فإن مستوى الإنتاجية سيزداد، فالمرء بطبيعته يتعبه الكسل والفراغ أكثر من الانهماك في عمل ما يحبه، إلا أن الفكرة المتداولة التي يعتقدها كثير أن العمل هو الشيء المنهك والالتزام به يعني أن نتجرد من الحياة، وأن نكون أشبه بأجساد تعمل دون روح
فكل عمل لا تشعر حياله بالارتباط ولا يكون جزءا من قلبك لا يعول عليه، إضافة إلى أنه يشغل حيزاً كبيراً منك دون فائدة مرجوة، فلا مخرجات بقدر المتوقع
الشغف هو طريق الإبداع، لأن الحب هو حالة شعورية تستدعي الابتكار والتجديد، لتظل العلاقة متدفقة وتسير في مسارها الصحيح
قولبة الشخص واحتكار عقله وإمكاناته بإطار معين داخل حدود معينة هي كأن تسد شريان الحياة بين القلب والعقل، فالشخص لا يستطيع أن ينتج بفاعلية ما لم يجد بيئة محفزة وعملاً يخترق شغاف قلبه ويسكنه. يقول بابلو نيرودا «ميت من يتجنب الشغف.. ولا يجازف باليقين في سبيل اللا يقين من أجل أن يطارد أحد أحلامه» اقتحموا الحياة ولا تقفوا في أماكنكم بانتظار معجزة ما أن تحدث. في المجازفة إنقاذ للحواس، وتفعيل للإمكانات المستودعة في داخلك، فالخالق قد خلق داخل كل منا شغفاً لا يكتشف عبر الخمول والكسل واللاشيء بل بطبيعة الحال هو أن تكون في حالة بحث مستمرة عما تحبه وليس فقط عمن تحب. فوقود الحياة هو الحب مهما حاولنا حصره في شيء واحد ومهما حاولنا تقييده يظل متسعاً فاسلكوا الطرق المحتملة وغير المحتملة للوصول.
يقول باولو كاويلو : «ثمة أناس كثيرون يخافون من الشغف، لأنه يدمر في طريقه كل ما يتعلق بالماضي» فالشغف قد لا يأتي في مرحلة متقدمة بل بعد أن تجرب كثيرا من التجارب المختلفة في هذه الحياة ومهم أن تجرب وتفشل، أو تنجح تلك النجاحات التي لا ترضيك، وتستمر وتواصل التجربة كأن تقرأ كثيرا عن مختلف المجالات وتعيش حيوات آخرين لتستشف ذاتك عبرهم وتفهم كيانك خلالهم وتجد شغفك الذي تستمده خلال تراكمات تجاربك الخاصة، وما إن يأتي ذلك الشغف وتأتي تلك اللحظة التي يتمكن فيها «الشغف» منك حتى تعيد كل ترتيباتك وأولوياتك لتصنع ما لم يصنعه أحد وتتفرد. فالماضي لا يعود حاضراً فيك حين يصبح الشغف هو الحياة.
قال الخليفة عمر بن عبدالعزيز «إن لي نفساً تواقة، وما حققت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبدالملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن تاقت نفسي إلى الجنة فأرجو أن أكون من أهلها»

لماذا يكون الماضي مهماً.. بينما اللحظة أهم

* نشر في صحيفة مكة

يقول إيكارت تول:“الاستسلام ظاهرة داخلية صرفة
هذا لا يعني أنه على المستوى الخارجي لا تستطيع أن تقوم بفعل وتغيّر الحال
في الحقيقة، إنها ليست الحالة العامة التي تحتاج أن تُقبل عندما تستسلم، لكنها الجزء الصغير المسمّى الآن
”لنفترض لو أن التسليم هو جزء من ممارسات الحياة اليومية، فإن الصعوبات أو الإخفاق أو مرحلة الفشل في اللحظة التي تكون فيها مدركاً لذلك الفشل تدفعك لتنهض منها بقوة التسليم، أي تُسِقط عنك كاهل ما قد حصل لتكون بذاتك ووجودك كله في الوقت، والزمن، واللحظة الراهنة، إن الاستسلام أو التسليم هو طقس داخلي واعٍ حيث يمر الفشل عليك ثم يصبح ماضياً تستقرئ منه مستقبلاً يكون فيه الوعي هو المحور الأساسي لقصد الهدف
ذكر الدكتور فتحي التريكي بأن عالم الحياة اليومية هو «التجربة والعلاقات الإنسانية التي نتعامل معها ونعيها من خلال أذهاننا وحواسنا» إذا فالنمط اليومي هو نمط الأحداث التي تحدث حيث يكون الشخص فيها واعياً ومدركاً وحاضرًا ذهنياً فتتشكل عنها تجاربه الشخصية وعلاقاته بالأشياء والأشخاص لتصبح طقوساً منتظمة لفعل الحياة
نتعرض خلال حياتنا اليومية -لأننا جزء من الواقع- للكثير من الضغوطات مثلاً إخفاق في اختبار أو تجربة أو ربما مشادة مع زميل في العمل أو قد يحدث أن تتشاجر مشاجرة كبيرة مع أحد إخوتك أو أن تنفصل عن زوجك، هذا إلى جانب أحداث خارجية تطرأ فجأة دون سابق إنذار فتُحدث فيك اضطراباً، إن مجريات اليوم الطبيعية هي ذلك النمط الذي لا يحدث كلياً وفق تعاملنا الوحيد مع الأشخاص والأشياء بل لكل فعل تقوم به مع شخص هناك رد فعل يقابله، قد تقبل ذلك الرد فتتحول لمرحلة أخرى، أو قد تنتقل لمرحلة دون القبول، حيث تكون غير مستقرة، هنا تأتي طقوسنا اليومية تلك التي نصنعها لذواتنا مكافأة لنا أو تحفيزاً، أو ربما لتحدث التوازن الذي نريده ليس للاستقرار بل للتمكن وللعبور من مرحلة الضيق إلى الاتساع بسلاسة
مثال على ذلك: قراءة مجلة معينة يوميًا أو دورية معينة شهريًا أو حتى متابعة مسلسل أو برنامج بشكل مستمر، وقد يصل الأمر لطقوس أبسط من ذلك كأن تختار كوب قهوتك المفضل وتصنع قهوتك المحببة لترخي أعصابك وتأخذ نفساً جديداً لمواصلة الحياة
هنا في اللحظة التي تقرأ فيها لكاتبك المفضل أو تشرب فيها قهوتك المحببة لا يجب عليك إلا أن تغرق في تفاصيل الكتاب والنص الذي بين يديك لا أن تجذب كمغناطيس ما حصل أمس مع مديرك أو ما قد سيحدث في مشروعك غداً، هي تلك اللحظة التي تذوب فيها أنت بوعيك داخل الكتاب، قد تملأ أو تعيد شحن الضعف الذي يعتريك من ذلك الموقف فتكون أدركت بذلك التسليم، ومنحت ذاتك فرصة لمواصلة الحياة، عبر اللحظة أو الزمن المختزل فيها، واللحظة حقاً هي ما يمهنا و هي ما يكثف إحساسنا ويرسم معالم جديدة لشكل الحياة اليومية التي تصبح نمطاً
ثم إنه لا يجب الاكتفاء بطقس واحد أو اثنين بل إن إضافة طقس جديد بين فينة وأخرى ثم تحويله لممارسة تصبح مع الوقت عادة تصقل بها اليوم والذات، و يتحسن بها وعبرها المزاج، وينضج بها الفكر والوعي
يقول ايكارت تول: “إذا كنت لا تستطيع الاستسلام، تصرّف فوراً
تكلّم أو افعل شيئاً ما لتحدث تغييراً في الوضع – أو انتقل منه
كن مسؤولا عن حياتك
لا تلوث وجودك الداخلي الجميل والمتألق ولا تلوث الأرض بسلبيتك”.

المنفى: آخر جذور أندلسية

* نشر في صحيفة مكة

المنفى لا يشبه الهجرة، فالهجرة قد تكون نابعة عن إرادة الشخص للبحث عن سبل حياة أخرى أكثر مما هي متاحة له حيث يقيم، لينتقل بكامل وعيه وإرادته وحسب إمكاناته لبلد آخر، فقد قال إدوارد سعيد في كتابه تأملات حول الحياة في المنفى، إن المنفى هو «هوّة قسرية لا تنجسر بين الكائن البشري وموطنه الأصلي، وبين النفس ووطنها الحقيقي، ولا يمكن التغلّب على الحزن الناجم عن هذا الانقطاع
وأيا كانت إنجازات المنفيّ، فإنها خاضعة على الدوام لإحساس الفقد»
قد لا يقتصر النفي على أشخاص معينين بل قد يتسع ليشمل أقواما ينفون بسبب اضطهادات سياسية، فيطردون من بلدانهم تاركين خلفهم إرثهم وحضارتهم، ليقيموا في بلدان أخرى اضطراريا، محاولين بذلك خلق حياة جديدة، مهما كبلهم اليأس والخوف والحنين
في 1609م اقتلعت آخر جذور أندلسية مسلمة من إسبانيا – الموريسكية- لتطرد ويكتب عليها النفي بعد أن أعلن مرسوم ملكي في 1502 م يخير فيه المسلمون بين اعتناق الديانة المسيحية أو النفي ومغادرة إسبانيا
مما اضطر كثيرا من المواطنين المسلمين للتظاهر بالمسيحية تجنبا للتعذيب والاضطهاد من قبل الحكومة والبقاء في وطنهم
فالموريسكيون هم المسلمون الذين أخفوا دينهم في صدورهم وأقاموا شعائرهم في منازلهم سرا، وكتبوا القرآن الكريم باللغة العربية مشروحا باللغة الخميادية وهي اللغة التي اتخذها الموريسكيون بعد أن مُنعوا من استعمال لغتهم العربية فعرفت «ألخميادو» على أنها لغة رومانية قشتالية تكتب بحروف عربية
وللموريسكيين إرث أدبي إلى جانب الحضارة العمرانية الموجودة حتى الآن في نواحي الأندلس، ففي جامعة بورتوريكو يوجد أكبر مختبر للأدب الألخيميادو، أنشأته العالمة «لوثي لوباث بارلت» التي نشرت نحو 20 كتابا تتحدث عن الأدب الموريسكي ومجموعة لا تقل عن 22 باحثا نشروا الكثير من المخطوطات والأدبيات التي تحدثت عن معاناة الموريسكيين
يقول د
عبدالجليل التميمي عن فترة التهجير القسري والحرق والتعذيب الذي لحق بالمسلمين «هي أول تطهير عرقي في الزمن الحديث لا يوازيه فظاعة إلا التطهير اليهودي»
هناك مئات الوثائق التي تحدثت عن معاناة الموريسكيين وعن محاكم التفتيش، وجدت بعد فترة لينكشف الكثير عن الموريسكيين، ومن بينها ما نُقل عن الدكتور عبدالجليل، أنه جاء في أحد الوثائق بأن خمسة أساقفة موريسكيين من كبار أساقفة غرناطة، قد أحرقوا أحياء بسبب افتضاح أمرهم، باعتبارهم مسلمين سرّا ومسيحيين في الظاهر! فقد كانوا غالبا محل شك من قبل محاكم التفتيش، مهما بدا لهم أنهم قد حولوا ديانتهم
إلى جانب معاناتهم التي فرضتها الحكومة الإسبانية من تعذيب وقهر، وهو ما نقلته بعض الوثائق التي كتبها العثمانيون في شأن المسألة الموريسكية، أي عن المعاناة والإحباط اللذين لحقا بالمورسكيين، وهو فشل الدولة العثمانية من تفعيل موقف قوي تجاه إسبانيا، فعلى الرغم من أنها الدولة الأقوى إلاّ أن الإمدادات التي حاولت إرسالها لإثارة ثورة داخلية في غرناطة وتجهيز أسطول بحري لم تكن ناجحة، فما إن وصل الأسطول مشارف إسبانيا حتى تراجع القائد خوفا من التهديدات التي وصلته من ملك إسبانيا، وانسحابه لم يزد أولئك الثوار إلا قهرا، فأخمدت الثورة داخل غرناطة وانتهت بطريقة بشعة
فخرجت أفواج من الموريسكيين، تاركين بلادهم مكسورين، يحملون في صدورهم حب الوطن، وبين ثنايا عقولهم فكرا وأدبا، وعرفوا أنهم أصحاب صنعة وحرفة، فاستقرارهم في تونس تحديدا كان له حضور بالغ الأهمية من نواح اقتصادية واجتماعية ومعمارية، أما عن الفئات الأخرى فمنهم من ارتحل إلى الأناضول ليتشبث بأستار الدولة العثمانية، ومنهم من لم يبتعد كثيرا، فانتقل إلى دول أوروبية مجاورة كإيطاليا
يقول إدوارد سعيد عن المنفى «المنفى لا يمكن أبدا أن يكون حالة رضى عن النفس، واطمئنان، واستقرار
المنفى هو الحياة خارج النظام المألوف
المنفي بَدَوي، غير متمركز»

جيم كرو والعنصرية العرقية

نشر في صحيفة مكة*

“قد حاول بعض المؤرخين في القرن الـ18 وفي القرن الـ19 أن يبرهنوا على وجود عرق متفوق هو العرق الأبيض الذي يمتاز عن العرق الأسود في الشكل والفكرغير أن أحد كبار أساتذة الطب المتخصص بالدم يؤكد عدم إمكان وجود عرق صاف وأن الاختلافات الاجتماعية والثقافية بين رجل صيني وآخر مالي وآخر فرنسي أكثر بكثير من اختلافاتهم التكوينية العائدة إلى العرق واللون”
هذا كان جواب طاهر بن جلون لابنته حين سألته عما لو كان هناك عرق يتفوق على عرق آخر
وحين كانت أمريكا تمارس العنصرية العرقية بشكل واضح ضد الأمريكان أصحاب البشرة السوداء في الفترة ما بين 1867 و 1965، تحت ظل نظام التفرقة والعنصرية العرقية «جيم كرو»، هذا النظام والقانون الذي حرم الزنوج حقهم في ممارسة الحياة اليومية، حيث لم يكن من حق أحد منهم اختيار الحياة التي يريد بل كان لزاماً أن يقيموا في أحياء معينة، ويدرسوا في مدارس حددت لهم مسبقاً، حتى وسائل النقل لم تكن متاحة لهم بشكل كامل
لكن تفوقت السيدة المناضلة «روزا باركس» في الدفاع عن موقفها ضد العنصرية التي مورست عليها بشجاعة
فالسيدة باركس كانت شرارة لمسيرة نضالية بلغت 381 يوماً للدفاع عن حقوقها وحق كل أسود، حدث ذلك حين رفضت ذات مرة تلك السوداء أن تترك مقعدها في الباص لرجل «أبيض» مخالفة بذلك القانون، عوقبت وغرمت بسبب ذلك ثم تلا تلك الحادثة عدة مسيرات وإضراب أجبرت وسائل النقل لتعديل القانون بعد الخسارة التي لحقت بها، و إكراماً للسيدة باركس لا تزال الحافلة موجودة حتى الآن في متحف هنري فورد للسيارات
ونستطيع القول أن الدكتور ديفيد بيلجرام – من أصول أفريقية- أستاذ علم الاجتماع في جامعة ميشيغان قد تفوق مرة أخرى في 2012 لتأسيسه أول متحف يتحدث عن تاريخ تلك الفترة بكل ما كان فيها من ظلم ثم نضال ثم محاولات للتسوية و أخيراً الوصول للرئاسة (رئيس دولة أسود)، وقد أطلق على المتحف اسم (جيم كرو) نسبة لتلك الحقبة وذلك القانون، يعرض في المتحف التاريخ وأشكال تلك الممارسات التي اختزلت في تذكارات وملصقات بدأ جمعها الدكتور ديفيد وهو لا يزال في عمر 12 سنة
تم تقسيم المتحف لعدة أجنحة بداية بملصق كبير يمثل شخصية «جيم كرو» التي مثلها رجل أبيض بصبغ وجهه بلون داكن ليطلق على ذاته «جيم كرو» كجزء من مجتمع أصحاب البشرة السوداء مع كلمات أغنية ساخرة أصبحت رمزاً ولفظاً ينعت به أصحاب البشرة الداكنة
حتى أن قانون التفرقة العنصرية قد رمز له أيضاً «بجيم كرو”
أما عن القسم الثاني فقد مثله في شجرة كبيرة وعلى جذعها حبل، حيث كانت تمارس العقوبات كالشنق وشتى أنواع التعذيب والعنف بربطهم في جذع الأشجار
وفي القسم الثالث علقت قصاصات لكاريكاتير ودعايات ومشاهد كرتونية لخصت سخرية المجتمع الأمريكي بتلك الفئة أي المجتمع الزنجي
ثم في القسم الرابع عرض الدكتور ديفيد وسائل المقاومة كعرضه لصور المناضلين وأفعالهم مثل مالكم اكسومارتن لوثر كنج
وفي القسم الخامس مثل مراحل إنهاء تلك القوانين «جيم كرو» بعرض صور لكثير من العلماء والسياسيين والناجحين من أصحاب البشرة السوداء ليصل لاستعراض وصول أوباما للرئاسة، ثم أسهب الدكتور ديفيد وقال: إن إنهاء تلك القوانين ساعد على تغيير سلوك المجتمع بطريقة أفضل
وأخيراً ينتهي المتحف عند قاعة صغيرة تتسع لما يقارب 20 شخصا للحديث والمناقشة عما تم مشاهدته وعرض وجهات نظرهم عن حياتهم المستقبلية كمجتمع أمريكي واحد (أبيض وأسود)
وجه الشبه كبير بين السيدة باركس والدكتور ديفيد رغم طول المدة التي تفصلهم والظروف التي عاشها كلا الطرفين إلا أن كليهما يدفعان بالظلم بعيداً، أحدهم كان الفتيل والآخر هو الوريث للشعلة، فوجود متحف يلخص تلك الحقبة التاريخية لأجيال حاضرة و قادمة يعني أن يقول أصحاب البشرة السوداء: إن نضالنا كان الجزء الرئيس في استعادة ما سلب منا من حق وإن تاريخنا في الكفاح ما زال مستمرا.

حكايا من قلب أوروبا

* نشر في صحيفة مكة

أتذكر هذه المعلومة جيداً حين حكاها لي العم السويسري «هايني» ونحن في طريقنا للتوغل داخل القرية السويسرية الصغيرة «أبانزل» قال: أبانزل تأخرت جداً في منح حق المرأة في التصويت، وتعتبر في التاريخ الأوربي هي الأخيرة. الحقيقة أن المعلومة هذه أخذتني للبحث عن تفاصيل هذا الحدث التاريخي، ربما لأني كنت أعتقد أن تسلسل الأحداث التاريخية في أوروبا وقع متسارعاً خاصة وأن الكثير من المعاهدات وقعت بعد الحرب العالمية الثانية، وتم تفعيل الكثير من المنظمات فلم أدرك أن سويسرا وهي التي تقع في قلب أوروبا تكون الأخيرة، وتكون هي الأكثر تمسكاً بقيود العادات من غيرها، لكنها كانت هذه الحقيقة، فالمرأة في قرية أبانزل لم تأخذ حقها في التصويت إلا خلال عام ١٩٩٠ وذلك بعد فرنسا بما يقارب ٤٦ سنة.

قامت المرأة السويسرية بمحاولات عدة مطالبة بحقها وذلك بإنشاء حملات للمطالبة ببعض حقوقها حتى إن شعار أحد الحملات كان عبارة عن نقطة سوداء في منتصف قارة أوروبا وذلك دلالة على عدم النضج السياسي للمرأة في قلب القارة -أي في سويسرا- مقارنة بالدول المحيطة بها كألمانيا وفرنسا. وفي ١٩٥٩ تم عمل استفتاء عام في سويسرا عن حق المرأة في التصويت وتم فرز النتائج حيث صوت ٦٧٪ بلا و ٣١٪ بنعم.
ربما كان هذا التصويت مخيباً لبعض النساء في ذلك الوقت، فأول من بادرت بمحاولة جادة كانت الحقوقية «كاترينا» وذلك عبر وضع صندوق اقتراع منفصل عن صندوق الاقتراع الذي وضع للرجال، تشجيعاً للمرأة السويسرية في ممارسة حقها إلا أن أصواتهن لم تؤخذ بالاعتبار لأن القانون لم يعطهن في ذلك الوقت هذا الحق بعد.
أما عن قرية أبانزل تحديداً فقد تم رفض ٩٥٪ من أهلها حق تصويت المرأة على مستوى المناطق رفضاً تاماً وقاطعاً. لكن هذه الفكرة لم تدم طويلاً في باقي المناطق -الكانتونات- فقد أُجري بعدها تصويت وكانت نتائجه عكسية، كان صوت غالبية الشعب السويسري الذي في الحقيقة لم يزد عن ٦٦٪ (بنعم)،و هذا يعني أنهم أخيراً قد تقبلوا فكرة حق المرأة في التصويت. ومن خلال ذلك نستطيع القول إن المرأة السويسرية أخذت حقها في التصويت رسمياً في ١٩٧١.
لكن ماذا عن أبانزل التي ذكرنا بأن ٩٥٪ منها قد عارضت هذه الفكرة؟ حتى بعدما تم تفعيل هذا القانون رسمياً كان غالبية رجال هذه القرية لا يزالون يرفضونه وكانوا يعتقدون أن باستطاعتهم إلغاءه مع الوقت وتم قسراً منع نساء أبانزل من مزاولة هذا الحق لفترة ليست بالقصيرة. و بسبب طول المدة في عدم منح نساء أبانزل حقهن في التصويت خلال الاستفتاءات على مدار سنين طويلة بالنسبة لما جاورها، قامت نساء أبانزل بالمطالبة بهذا الحق والدفاع عنه بأنفسهن ثم تم منحنهن إياه من قبل الحكومة، وبناء على ذلك تم تعديل الدستور وذلك بتفسير العبارة القانونية «كل مواطن» إلى «نساء ورجال» أي أنه تم منح الحق للنساء والرجال بطريقة متساوية في التصويت. وهذا يشرح و يفسر ما قاله مالك بن نبي: «إن الحقوق ليست هدية تعطى ولا غنيمة تغتصب، وإنما هي نتيجة حتمية للقيام بالواجب، فهما متلازمان، والشعب لا ينشئ دستور حقوقه إلا إذا عدل وضعه الاجتماعي المرتبط بسلوكه النفسي حيث أنه لا يحق لشعب مطالبته بحقوقه، ما لم يقم هو بواجباته.

موسيقى المارياتشي، صبغة عشق وفرح

Mariachi

* نشر في ساقية

الموسيقى تصبغك جمال وجلال في جميع الأحوال وتستشف المشاعرالإنسانية بوضوح، فكما أن الموسيقى تستطيع أن تحكي الحزن وتفاصيله، فهي تصيغ الفرح وتحتويه وعرف عن موسيقى المارياتشي المكسيكية هذه الميزة فقد خلقت لتعلن عن زفاف العشاق وفرحتهم في ساحة غاريبالدي في مدينة مكسيكو .

اختلف في تسمية مرياتشي حيث قيل أنها من “مارياج” وأنها انحدرت من اللغة الفرنسية ومعناها الزواج، وقال آخرين أنها تعني بالمكسيكية مجموعة من الموسيقين الشعبيين أو المكان الذي يرقص فيه في الهواء الطلق، فقد قال الأستاذ محمد الخطابي عنها :

يشير بعض العلماء المختصّين فى تاريخ الموسيقى المكسيكية أنه عثر على وثيقتين سابقتين لتاريخ 1860 وهو تاريخ دخول الفرنسيين إلى المكسيك مستغلّين إنشغال أمريكا الشمالية بحربها الأهلية ،وترد فى هاتين الوثيقتين كلمة “مارياتشي” ممّا يؤكّد حسب رأيهم انّ هذا المصطلح كان له وجود قبل دخول الفرنسيين للمكسيك ، ويذهبون أيضا أنّ لهذه الكلمة عدّة معان عندهم فهي تعني مجموعة من الموسيقيين الشعبيين ، كما أنها تعني المكان الذي يرقص فيه فى الهواء الطلق ، ويزعم هؤلاء كذلك انّ كلمة مارياتشي تعني إسم شجرة ، ثم أصبحت تعني هؤلاء الذين يتجوّلون أو يهيمون على أنفسهم فى القرى،والضيع، والمداشر، والبوادي وهم يشيعون الفرح والحبور فى قلوب المنكوبين أو المهمومين .

لكل موسيقى صفة معينة وتأخذ هذه الموسيقى حيزها من الجمال وغالبا الموسيقى تحكي بين طيات حكاياها قصص شعوب قد هاجرت من أماكن مختلفة حتى استقرت في وطن واحد، وهنا حين نتحدث عن المارياتشي فنحن بذلك نتحدث عن المكسيك وكم المهاجرين الذين انتقلوا إليها ومنهم كثيرين كانوا في الأندلس لذا نلحظ الكثير من التفاصيل المشتركة بينهم ومنها الموسيقى إلا أن موسيقى المارياتشي تطورت وأصبحت ذات ملامح مستقلة، ويعرف أنها تناقلتها الأجيال بالممارسة من جيل لجيل فليس هناك أكاديميات تخرج عازفي المارياتشي إلا حديثاً فيقول الأستاذ محمد الخطابي :

عرفت المكسيك هجرات متوالية فى فترات متواليىة من تاريخها الطويل، وقد حملت هذه الهجرات على إختلافها معها العديد من العادات والتقاليد والمظاهر الثقافية والحضارية والفنية واللغوية والموسيقية وسواها، ويتغنّى المارياتشي المحترف بمقطوعات شعرية جميلة من الفولكلور الشعبي المكسيكي ، كما انّ هناك نوعا آخر ليس له طابع خاص مميّز على أنه يلجأ إلى التقليد حسب المناسبات والظروف فيتغنّون بمقطوعات مارياتشي الأرياف والمدن على حد سواء وغايتهم من ذلك هو كسب قوت العيش وإرضاء جميع الاذواق. وهناك أسماء فرق يربو عمرها على ازيد من قرن من الزمان حيث يحل الأبناء محل الآباء ثم الأحفاد وهكذا ، فيغدو بالتالي هذا الفن متوارثا بين الاسرة الواحدة .وأقدم فرقة من هذا القبيل أسّسها ” غاسبار برقاش”عام 1898 (ويلاحظ أصل هذا الإسم الأندلسي الأمازيغي الذي ما زال موجودا ومنتشرا فى المغرب والأندلس حتى اليوم) وما زالت هذه الفرقة التي تحمل إسم مؤسّسها وهي من أشهر واكبر وأغلى فرق المارياتشي فى المكسيك . وفى عام 1921 تولّى رئاسة هذه الفرقة النجل الأكبر للسيّد برقاش أو بركاش سيلفيستري -الذي مثلما قام ” زرياب” عند وصوله إلى الأندلس بزيادة وتر خامس إلى العود – عمل برقاش على زيادة آلات موسيقية جديدة مستحدثة إلى هذه الفرقة وهي البوق أو النفير حيث غلبت هذه الآلة الموسيقية على الآلة التقليدية فى هذه الفرق وهي آلة “الفيولين” التي كانت تعتبر الأداة الرئيسية عند المارياتشي إلى جانب أدوات أخرى وتريّة وآلات النقر والنفخ.

موسيقى المارياتشي تتميز بأن أفراد فرقتها يرتدون الزي المكسيكي المزركش ذات القبعات الخسف الكبيرة فهي مميزة بطابعها الشعبي الذي لايزال حتى الآن، فقد قال الأستاذ الخطابي :

هناك أنواع عديدة من فرق المارياتشي، وهم يتباينون فى أزيائهم حيث تكون غاية فى الإتقان والتنسيق ،أو ربما كانت أزياء بسيطة ولكنها مع ذلك تكون مثيرة تسير فى نفس الخط العام المميّز لهذه الفرق ،كما يختلفون فى أنواع وأحجام قبّعاتهم المزركشة ،وتضاهي أحذيتهم أحذية رعاة البقر الأمريكيين ، وهم يستعملون أحزمة جلدية سميكة مرصّعة بالنقود المعدنية الفضية والمذهّبة ، ويعتزّ أفراد فرق المارياتشي إعتزازا كبيرا بنوعية الغناء الذي يؤدّونه وهم يعتبرونه إرثا فنيا رفيعا ورثوه عن أجدادهم ،ولهم فيه نوابغهم وأفذاذهم الذين أجادوا هذا الفن وبرعوا فيه واخلصوا له على إمتداد الاجيال.

فلكل عاشق مذهبه في العشق حتى عشاق المكسيك لهم تقليد خاص، فعشقهم يتصل اتصالا وثيقا بفرق المارياتشي، حيث يصطحب العاشق فرقة مرياتشي ذات ليلة ويقف تحت نافذة محبوبته ويغني لها ماشاء من أغاني الحب فإذا أضاءت مصباح غرفتها فهي بذلك تكون قد أعلنت له عن مبادلتها له بهذا العشق فيقول الأستاذ الخطابي :

من عادة أهل المكسيك الجميلة أن يصطحب العاشق المغرم إلى منزل محبوبته فرقة من المارياتشي وتسمّى هذه العادة عندهم “سيريناتا” وهي لحن يعزف ليلا لإستعطاف المحبوب والتغنّي بجماله ومحاسنه ، وخصاله ومحامده، وتقف فرقة المارياتشي وإلى جانبها المحبّ قبالة منزل محبوبته فى ساعة متأخّرة من الليل ، وتبدأ فرقة المارياتشي فى الغناء والطرب معبّرة عن مشاعر الحبّ التي يشعر بها العاشق الولهان نحو حبيبته فى أنغام حلوة ومؤثّرة تحطّم سكون الليل وخلوته، فإذا قامت الفتاة وأوقدت نور الغرفة وأطلّت من شرفة منزلها فمعنى ذلك أنها قبلته وتبادله نفس مشاعر الحبّ ،وبالتالي يمكن لهذا الشاب أن يأتي إلى منزلها متى يشاء ليطلب يدها من ذويها بصفة رسمية ،وإذا لم يضاء النور، ولم تطل المحبوبة من غرفتها فمعنى ذلك أنها غير راضية بحبّه والزواج منه ، عندئذ يطلب الشاب من المارياتشي الإنسحاب بعد أن يدفع لهم أجر عملهم ،ثم يعود هو منكسر الخاطر،شارد البال، حزينا متحسّرا يجرّ أذيال الخيبة والفشل ،وما زالت هذه العادة قائمة ومنتشرة فى مختلف المدن والقرى المكسيكية حتى اليوم.

هذه عينات من أغاني المارياتشي

https://www.youtube.com/watch?v=h9KQbbheFcM

https://www.youtube.com/watch?v=eBdlRY31jyo

للإستزادة: المارياتشي.. صوت المكسيك في أفراحه وأتراحه / تاريخ المارياتشي