الفلامنكو.. حينما يلتقي السحر الغجري مع الطرب العربي

*نشر في ساقية

raycoiacarlota121503

حين نقلب صفحات التاريخ لنتعرف على سبب نشأة وعراقة بعض الموسيقى نجد أن السبب الحقيقي الأول هو الإضطهاد وما الموسيقى والغناء والرقص إلا أدوات للمطالبة بالحرية والتخلص من شر العبودية. والفلامنكو الفن الاسباني العريق أحد أنواع الموسيقى التي بدأت كمزيج من أحزان وآلام أقوام مهزومين (وهم المسلمين) مع أقوام تائهين عابرين للقارات (وهم الغجر من شمال الهند) وأخيراً الأسبان أنفسهم (وهم الذين كان يحكمهم ملك ظالم يسمى “فريدناندفي”، حيث أمر بأن يغير أهل أسبانيا جميعهم ديانتهم ويوحدوها تحت ديانته الكاثوليكية).

هكذا تكونت موسيقى الفلامنكو عبر التاريخ خليطا من ثقافات مختلفة ونغمات منسجمة تعلن عن نفسها بعذوبة. فحين تستمع إلى عازف الجيتار وهو يضرب بأنامله الأوتار، تجد أن الموسيقى قائمة على نوتات شرقية أساسية، أما باقي الملحمة فهي تحتوي على شعر غجري منتظم يحكي الظلم ويفسر المعاناة الإنسانية التي يعيشها كل منهم. يقول محمد فايد في حديثه عن موسيقى الفلامنكو :

أعلن الفلامنكو عن نفسه في القرن 18 وعلى الرغم من أن العديد من تفاصيل تطوره مفقودة اليوم فإن جل الدراسات تشير إلى أن هذا الفن مرتبط بالغجر وبثقافات أخرى تعايشت في المنطقة ومن بينها الثقافة المورسكية ذات الأصول العربية الإسلامية إضافة إلى الثقافة الاسبانية المحلية. وتطور بفضل اجتهادات الغجر الذين لم يتخلوا عنه ولا عن لغاتهم وثقافتهم الأصلية خلال ترحالهم عبر ربوع الأندلس وغيرها من البلاد، فقد جلبوا موسيقاهم الخاصة لتمتزج مع ما هو قائم في البلاد التي احتضنتهم. ومازال الفلامنكو يحتفظ بعلامات تدل على أصوله الشرقية بشكل واضح، كاعتماد الحنجرة في الغناء، والطابع الشرقي في التأليف الموسيقي الذي يعتمد الهارموني العربي، مثلما هو شائع في العزف العربي على العود وغيره من الآلات التي تعطي التون ونصف التون، كما أن التشابه القائم بين مقامات الفلامنكو ومقامات الغناء العربي بارز العيان.

ذلك المزيج لم يتوقف عند تلك النقطة فقط، بل تموج تأثير الفلامنكو بين بحري العرب والغجر. فكلما أوغلنا في تفاصيل الفلامنكو من حيث تركيبة الموسيقى والكلمة نجد أن بعض المؤرخين أمثال بلاس انفانتي أرجؤوا معنى “الفلامنكو” لأصل عربي وهي “فلاح منكم”. كما قال البعض أيضا أن “Ole – أولي”  الكلمة التي يقولها جمهور الفلامنكو لفرط إعجابهم الشديد بالعرض والموسيقى على شكل صرخات هي في حقيقتها كانت “الله” تأثرا بالموركسيين لكنها تغيرت مع الزمن إلى “أولي”. حيث يفصل محمد فايد :

ولقد اختلف الباحثون والمؤرخون في تأصيل تسمية الفلامنكو فهناك من ينسبها إلى طائر الفلامنكو الوردي الراقص المهاجر وآخرون أرجعوها للكلمة العربية «فلاح منكوب» أو « فلاح منكم» وطبقا لبلاس انفانتي يرجع «فلاح منغو» إلى «فلاح من غير أرض» وهم الفلاحون الموريسكيون الذين اضطهدوا وأصبحوا بدون أرض فاندمجوا مع الغجر وأسسوا الفلامنكو كمظهر من مظاهر الألم التي يشعر بها الناس بعد إبادة ثقافتهم.

لاينتهي جمال الفلامنكو هنا.. بل إنه لا يكتمل إلا في عنفوان راقصات الفلامنكو، أولئك اللواتي يعلن ثورة ضد الألم حين يضربن بأرجلهن أرضاً ثم يحركن أيديهن معلنات عن الحياة والحرية. فنلاحظ هنا أن الفلامنكو رقصة لا تتمحور حول قصة رومانسية بقدر أنها ملحمة إنسانية شامخة.. يواصل محمد فايد :

فن الفلامنكو يعكس بجلاء تقاليد وأعراف التنظيم الاجتماعي الغجري الذي يحتل فيه الذكور المكانة البارزة بينما تحتجب المرأة وراء أدوارها التقليدية. ولكن في حفل الرقص تبدو الطقوس مخالفة لهذا العرف متحررة منه. فبداية الرقصة تكرس بشكل قوي هيمنة النساء وتحكمهن في حلبته، بعد ذلك يلتحق الرجال بالحلبة بشكل تدريجي. ورقص النساء يستحث المغني على التفنن في تلاوة قصائد الغزل التي تتغنى بجمال وأنوثة الراقصة حيث يتيح حفل الرقص للغجريات فرصا كبيرة ومهمة لتغيير وضعهن الاجتماعي. تلبس الراقصة لباسا زاهيا ملونا عريضا فضفاضا على غرار لباس الغجر بينما يلبس الراقص قميصا ضيقا ملونا أو أبيض وسروالا أسود ضيقا أيضا وينتعل الذكور والإناث أحذية قوية تحدث فرقعات مسموعة خلال ضرب الأرض بها. وكان سلفهم يلبسون أحذية ذات كعوب عالية لإحداث الصوت القوي المسموع ويضعون على رؤوسهم قبعات تقليدية لم يعد يستسيغها الراقصون ولا المغنون اليوم. وهي تختلف عن الرقص الهادئ المتمايل كالرقص الشرقي أو الكلاسيكي حيث تعتمد راقصة الفلامنكو في حركاتها على قوتها الجسدية هذا بالإضافة  إلى حركات ذراعيها وقدمها بعنف مما يترجم الثورة على القيود. ويختلف أداء الراقصة عن أداء الراقص ببعض الحركات العنيفة عند الراقص التي تعبر بقوة عن هذا العنف مما يجعل الراقص الماهر يثير الإعجاب على الرغم من مكانته الثانوية في حفل الرقص في ظل مكانة المرأة التي تهيمن عليه تعبر راقصة الفلامنكو في رقصها عن الكبرياء والأنفة من خلال حركة الذراعين والقدمين مترجمة أحاسيسها الداخلية بحركات سريعة وقوية كالتصفيق والضرب بالقدمين والإغناء السريع للجسد وشموخ الهامة في كل الايقاعات.. وتعتمد الراقصة على حركة الأطراف (الأيدي والأرجل) وهذه الحركة لا تتجه نحو الهدر والرومانسية بقدر ما تتجه نحو التصعيد الحركي أو الدينامية المتنامية.

هنا تجد بعض فقرات رقصة الفلامنكو الإسباني الغجري ، كما تستطيع الاستماع لسحر جيتارها



للإستزادة: ورقة محمد فايد عن الفلامنكو بعنوان (الفلامنكو.. الغنائيات والعزف والراقصات) من دورية الثقافة الشعبية / مقال عن (تاريخ موسيقى الفلامنكو) من أكاديمية الفنون

غناء البلوز: خطوة نحو الحرية

* نشر في ساقية

BBKing_36x48_120002

البلوز هو نوع من أنواع الموسيقى والغناء نشأ في ولاية المسيسيبي على يد الزنوج حين كانوا تحت حكم الأمريكان ذات البشرة البيضاء، حيث كانوا يرددون الأغاني بطريقة صيحات يبدؤها واحد ويردد خلفه الباقيين. تتبع صيحاتهم أصوات الفأس لتعطي نغماً موسيقيا متناسقاً. كان هذا الغناء في بدايته تعبيرا عن الغضب وطمعا في الحرية، وكان أحد سبل الخلاص. أما عن الكلمة، فكثيرا ما نسمع تعبير “بلو” على المزاج الحزين، وكذلك هي أغاني البلوز تحمل طابع الحزن والألم بقدر المعاناة التي عاناها الزنوج في تلك المرحلة. ولعل هذا التعبير له علاقة مباشرة بأغاني البلوز فقد قيل أن البلوز يعني “ممسوس بعفاريت زرق” أي الشخص الواقع تحت تأثير العفاريت التي تسبب الحزن والألم. وربما لا علاقة للون الأزرق بالتعبير (بلو) المعروف بالإنجليزية عن المزاج الحزين، لكن نستطيع القول أن “بلو” مصطلح أدخله الزنوج للغة الإنجليزية تزامنا مع غناء البلوز حيث كلاهما يعبران عن الحزن. تقول رشا عبدالمنعم :

ولا يعرف على وجه اليقين من الذي قام بإدخال هذا المصطلح “البلوز” إلى قاموس اللغة الإنجليزية، ولكننا نعلم أن أصول المصطلح ترجع مباشرة إلى الأميركيين الأفارقة الأوائل الذين نظموا كلمات هذه النوعية من الأغاني، وكذلك رجال الدين السود الذين ترنموا بهذه الأناشيد التي غلب عليها طابع الحزن. موسيقى الأحزان ويجمع بين أصول هذا النوع من الغناء أنها كلها كانت من أهم صور التعبير عما يجيش بصدور هؤلاء الفئة المضطهدة ولاسيما في الأعوام الأولى التي عاش فيها السود في أميركا بعد هجرتهم القسرية إليها، ومن ثم تأثر الموسيقيون والمغنون السود بقصائد الشعر الغنائية الاسكتلندية، والترانيم الكنسية لأصحاب مذهب الميثوديست والمعمدان.

تطور هذا الفن بعد تحرر الزنوج ولكن لم ينتهي الألم بعد قصدهم الحرية ونيلها، بل ظلوا يعانون من الفقر والجهل الشديدين، لكن غناءهم أخذ منحنى جيد بعد دخول آلتي الهرمونيكا والجيتار ومن ثم لاحقا البيانو.. حتى أصبح من أشهر أنواع الغناء الأمريكية.

وللبلوز طريقته وأسلوبه الفريد، فقد ذكرت رشا عبد المنعم :

تُؤدى موسيقى البلوز التقليدية في شكل 12 فاصلة موسيقية، تنقسم إلى ثلاثة مقاطع ويتكون كل مقطع من أربعة فواصل موسيقية. وتتألف معظم كلمات أغاني البلوز من العديد من المقاطع الشعرية كل منها مكون من ثلاثة أسطر. ويكون السطر الثاني من كل مقطع تكرارا للسطر الأول، ويعبّر السطر الثالث عن جواب للسطرين الأولين. وتعكس معظم الكلمات الشعرية لموسيقى البلوز الوحدة والحزن، ويعكس البعض الآخر ردود الفعل الساخرة والتحدي لمشاكل الحياة. وتعتمد موسيقى البلوز على الصوت والموسيقى ( آلة الغيتار تحديدا ) وعلى ما يسمى بالـ blue nots وهي النوتات المنخفضة والتي هي أساس موسيقى البلوز والجاز وهو الاسم الذي أخذته واحدة من أهم وأشهر شركات الإنتاج Blue Note والتي تخصصت في إنتاج البلوز والجاز ولها فضل كبير في نشر هذه الموسيقى في أنحاء العالم ودعم معظم الموسيقيين الذين أصبحوا أعلاما في تاريخ الموسيقى.

ومن أشهر موسيقي البلوز هي قطع كريستوفر هاندي الموسيقية التي نشأت عام 1912، وأحد هذه القطع هي “ممفيس بلوز” وأول تسجيل لها كان عبارة عن ٣ دقائق فقط.

ولعل الأكثر شهرة في هذا الغناء اليوم هو بيبي كنغ (المولود في 1925) حيث حازت ألبوماته على توزيعات هائلة وشهرة كبيرة. (للاستماع)

للاستزادة : تقرير من بي بي سي الانجليزية عن مقطوعة كريستوفر هاندي “ممفس بلوز” / «البلوز» .. موسيقى حصاد الزنوج زمن العبودية وصيحات الانعتاق” بقلم رشا عبد المنعم في صحيفة البيان